سيناء … فيروزة مصرية – مايو 2015م

سيناء … فيروزة مصرية – مايو 2015م

“سيناء” هي جزء غالٍ من أرض الوطن؛ فعلى مر تاريخها وهي الجزء المِصريّ الأصيل الذي أضفى على “مِصر” تميزًا وبريقـًا؛ إذ جعلها قلب العالم، والبلد الذي يربِط بين قارتي أفريقيا وآسيا، علاوة على أنها أحد حصون “مِصر” الطبيعية من الجهة الشرقية. ومنذ بَدء التاريخ الإنساني لم تغادر “سيناء” مشهد الاهتمام المِصريّ والدُّولي إذ صارت دائمـًا مَِحط اهتمام دُول العالم، فلم ينَل موقع آخر على الأرض ما نالته “سيناء” من شهرة عبر التاريخ، فقد كانت هي الباب الذي دخل وخرج منه الأنبياء إلى أرض مصر. كما دخلت منه أيضًا العائلة المقدسة” إلى أرض “مِصر من جهة الشَّمال من “الفَرَما”، في أثناء هرَبها من “هيرودُس” الملك الذي طارد العائلة، كما أنها كانت طريق العودة للعائلة المقدسة إلى فلسطين.

جغرافية سيناء
أُطلق على “سيناء” عدة أسماء منها: “جزيرة طور سيناء”، “جزيرة سيناء”، و”سيناء”، و”أرض الفيروز”. و”سيناء” هي نقطة التقاء قارتي أفريقيا وآسيا؛ وتُعتبر خطــًا فاصلـًا بين البحرين الأبيض والأحمر، وهي تمتد نحو ١٥٠ ميلـًا شرقـًا وغربـًا، ونحو ضعفي ذٰلك شمالـًا وجنوبـًا؛ وتُقدر مساحتها بـ٦١ ألف كيلو متر مربع.
وتنقسم “سيناء” إلى ثلاثة أقسام: الأول “بلاد الطُّور” وهي تقع بين شَطرَي البحر الأحمر وتتسم بالطبيعة الجبلية الشديدة الوُعورة؛ والثاني “بلاد التِّيه” وهي سهل عظيم مُقفِر يتخلله بعض الجبال، والثالث “بلاد العريش” وهي سهول متسعة من الرمال تحتوي على بقاع صالحة للزراعة. وينفصل كل جزء من الأجزاء الثلاثة عن الآخر بمجموعة جبال. وتُشتهر سيناء بوجود المعادن في أرضها؛ فهي تحوي: الفيروز، والنُّحاس، والمِغناطيس، والحديد، والذهب، والفحم، والبترول، والجرانيت، والينابيع الكِبريتية والمِلح.
معنى اسم “سيناء”
يعود “سيناء” إلى الكلمة العبرية “سين” أيِ “القمر”؛ لأن أهلها كانوا قديمـًا يعبدون القمر. ولٰكنّ بعض العلماء يقولون إن كلمة “سيناء” مشتقة من الكلمة السامية “سن” التي تعني “سن الإنسان” بسبب شكل جبالها الشبيهة بالسن في تكوينها. وقد اشتُهرت سيناء في الآثار المِصرية القديمة باسم “توشريت” أيْ أرض “الجُدوبة والعراء”، وفي الآثار الأشورية باسم “مجان”، وذكرها المؤرخون اليونانيُّون باسم “أرابيا بِترا” أيِ “العربية الصخرية”. ومن خلال بعض النُّقوش، نجد الإشارة إليها أحيانـًا بكلمة “بياوو” أيِ المناجم أو “بيا” أيِ “المنجم”، وفي مصادر عصر الدولة الحديثة يشار إليها باسم “خاست مفكات”، وأحيانـًا “دومفكات” أيْ “مدرجات الفيروز”.

“سيناء” عبر التاريخ
١. في عصر الفراعنة
كانت “سيناء” في “مِصر” الفرعَونية مصدرًا للثروات الطبيعية والمعادن الكثيرة التي وهبها الله لـ”مِصر”. لذٰلك، اهتم الملوك الفراعنة من عصر الأسرة الأولى باستخراج المعادن النفيسة من أرضها، وخصوصـًا الفيروز والنُّحاس. وقد بدأ تعدين الفيروز أولـًا في “وادي المغارة”، ثم في “جبل سرابيت الخادم”. أمّا تعدين النُّحاس، فكان في “وادي النُصُب الغربية”. ونجد ذكر حملات التعدين التي أرسلها الفراعنة إلى سيناء على صخرات وأنصاب شيدوها جَوار المعادن. وكان إرسال هٰذه الحملات على مُدَد تتراوح من عام إلى عدة أعوام، تبدأ في الشتاء في شهرَي نوڤمبر وديسمبر، وتستمر حتى شهر مايو عند ارتفاع درجات الحرارة التي تسبب صعوبة العمل في المناجم فيعود العمال بما استخرجوه من المعادن، تاركين أثرًا ونُصُبـًا في محل عملهم مدونة عليها جميع أخبار الحملة. وهٰكذا امتلأت “سيناء” بالآثار الفرعَونية القديمة التي تعود إلى آلاف السنين.
ومن أهم الآثار الفرعَونية في وادي المغارة: الصخرات الهيروغليفية، ومغائر الفيروز، ومساكن المُعَدِّنين القدماء وهي أكواخ من الحجر قرب مغائر الفيروز، وسد منيع من الحجارة كوَّن بحيرة عظيمة من مياه الأمطار كانت تُصاد فيها الأسماك؛ وهيكل “سيرابيت الخادم” وما يحويه من: كهف “الإلٰهة هاتور” إلٰهة الشمس أو النور الملقبة بـ”سيدة الفيروز”، وكهف “الإلٰه سوبدو” إلٰه الشرق لدى المِصريِّين، وغرف الهيكل والأنصاب التي تحمل أخبار الحملات المرسلة.

٢. في عصر البطالمة والرومان
لم يهتم البطالمة والرومان في “سيناء” بالتعدين بل بالتوسعات والحروب، فيمتلئ تاريخ تلك الحِقبة بأخبار حروب كثيرة؛ وتُعد “حرب رفح” من أهم المعارك التي شهِدتها “سيناء” في العصر البطلميّ.
ومع انتشار المَسيحية في “مِصر” وزيادة عدد النساك والرهبان في مغائر “سيناء”، قام الإمبراطور “يوستينيانوس” بتشييد دير “سانت كاترين” فيها عام ٥٤٥م تقريبـًا، الذي يحوي العُلَّيقة المشتعلة التي رآها “موسى النبيّ”. وقد رُممت أسوار الدير في أثناء الاحتلال الفرنسيّ عندما أقر “نابُليون بونابرت” بامتيازات الدير .

٣. في الفتح العربيّ
شهِدت “سيناء” في عصر الدولة الفاطمية بناء الخليفة “الآمر بأحكام الله” لجامع شُيد في دير “سانت كاترين”. وفي العصر الأيوبيّ، أنشأ السلطان “صلاح الدين” طريق “العريش” بعد خراب طريقَي “تنيس” و”الفرَما”، وأقام عددًا من القلاع الحصينة في “سيناء”: “قلعة الجندي”، و”قلعة مبعوق”، و”قلعة فرعون”.
وفي عهد المماليك، مهَّد السلطان “منصور قلاوون” “نقب العقبة” في “درب الحج” المِصريّ. كما بنى السلطان “قُنصُوَى الغوري” القلاع على “درب الحج” المِصريّ ومنها قلعتا “نخل” و”العقبة”. وفي عصر الدولة العثمانية، بنى السلطان “سليم” “قلعة الطور”، وبنى السلطان “سُليَمان” “قلعة العريش”، ورمَّم “قلعة نخل”.

٤. في العصر الحديث
عادت “سيناء” في أيام “مُحمد عليّ” طريقـًا للحروب والفُتوحات وإخماد الثورة الوهّابية، إلا أنه اهتم أيضـًا بالتعدين فيها فأرسل مهندسـًا فرنسيـًّا لدراسته في “بلاد الطور” الذي وضع أول خارطة لسيناء في التاريخ الحديث.
وفي عصر “عباس باشا”، قام بتمهيد طريق يمتد من “دير طُور سيناء” إلى قمة “جبل موسى”. ومن بعده، أذِن “سعيد باشا” بحفر قناة السويس، وأسس “محجر الحجاج” في سيناء. وفي أيام “إسماعيل باشا”، أُرسلت لجنة علمية إنجليزية للتنقيب في “بلاد الطور”، وبُنيت “قرية القنطرة” في طريق “العريش”. وفي أيام “توفيق باشا”، تغير مسار الحَج من طريق “سيناء” واتُخذ الطريق إلى “جِدة” بحرًا. وفي أيام “عباس حلمي باشا”، لم تُذكر “سيناء” ضمن حدود “مِصر” في الفرمان المرسل من السلطان؛ فلم يُقرأ الفرمان حتى جرى تصحيحه وإعادة “سيناء” ضمن الحدود المِصرية. وأيضًا من أهم الأحداث في “سيناء”، كان حدث الحدود عام ١٩٠٦م عندما تقدمت “تركيا” بحملة على “مِصر” إبان إعلان الحماية البريطانية عليها، لٰكنها فشِلت.
وتعرضت “سيناء” للاحتلال الإسرائيليّ بعد هجوم ١٩٦٧م، وفي 1973م استطاعت القوات المسلحة المصرية بجنودها البواسل على استعادة حق مصر في سيناء وأصبح يوم الـخامس والعشرين من أبريل عيدًا قوميًا لسيناء.
أهنئ الشعب المِصريّ بمناسبة ذكرى استعادة سيناء تلك الدرة الغالية التي دائما كانت وتظل جزءًا لا يتجزأ منه، كما أهنىء قواتنا المسلحة الساهرة على بلادنا الغالية “مِصر”.

الأسقف العام رئيس المركز الثقافيّ القبطيّ الأُرثوذكسيّ

التعليقات