مصر الملجأ – يونيو 2015م

مصر الملجأ – يونيو 2015م

   تُعد ذكرى دخول العائلة المقدَّسة إلى أرض “مِصر” من الأمور التي يحتفل بها المِصريُّون جميعـًا؛ فقد تباركت “مِصر” وأرضها وشعبها بهٰذه الزيارة، وأصبح مجيء السيد المسيح وأمه “السيدة العذراء مريم”، يصحَبهما “يوسُِف النجار” و”سالوميّ”، من أهم الأحداث التي جرت على أرض مِصرنا الغالية في تاريخها الطويل.
   بدأت رحلة العائلة المقدَّسة مع ظهور ملاك من السماء لـ”يوسُِف النجار” في حُلم محذرًا إياه من غضب الملك “هِيرودُس” وسعيه لقتل السيد المسيح، ثم أمره قائلـًا: “«قُم وخُذ الصبيّ وأمه واهرُب إلى مِصر، وكُن هناك حتى أقول لك. لأن هِيرودُس مزمِع أن يطلب الصبيّ ليهلكه».” (مت ٢:١٣)؛ ولم يتوانَ “يوسُِف النجار”، فأخذ الصبيّ وأمه، وصحبتهم “سالومي”، هاربين من وجه الشر إلى “مِصر”، وقد بدأ لجوؤهم إلى “مِصر” ليلـًا.
الرحلة
   رحلت العائلة المقدسة كأمر الملاك من “بيت لحم” في “فلسطين” إلى “غزة” حتى “محمية الزرانيق” (الفلوسيات) غرب “العريش” بـسبعة وثلاثين كيلومترًا؛ لتدخل أرض “مِصر” عن طريق “سيناء” من جهة الشمال من “الفَرَما”. ثم وصلت العائلة المقدَّسة إلى مدينة “تل بسطا” (بسطه) قرب مدينة “الزقازيق” بمحافظة “الشرقية” حيث أنبع السيد المسيح عين ماء، وتهاوت الأوثان على الأرض ما إن دخلها؛ وقد سبب هٰذا ذعرًا بين أهل المدينة فأساؤوا معاملة العائلة المقدَّسة لتترك المدينة وتتوجه نحو الجنوب.
   بعد مغادرة “تل بسطا” والتحرك جنوبـًا، وصلت العائلة المقدسة بلدة “مسطرد” (المَحَمَّة) التي أُطلق عليها هٰذا الاسم لأن السيدة العذراء أحمَّت السيد المسيح وغسلت ملابسه فيها، وأيضـًا أنبع السيد المسيح فيها نبع ماء ما يزال إلى اليوم.
   ثم تحركت العائلة المقدسة من “مسطرد” شمالـًا نحو “الشرق” إلى مدينة “بلبيس فيلبس” في مركز “بلبيس” بمحافظة “الشرقية”، واستظلت هناك عند شجرة عُرفت باسم “شجرة مريم”. ثم اتجهت العائلة المقدسة من “بلبيس” شَمالـًا لتمر بـ”الزقازيق” وتواصل رحلتها إلى “منية سمنود” (منية جناح)، وتمر ببلدة “دقادوس” حيث شرِِبت من إحدى آبارها.
   وعبرت العائلة المقدَّسة نهر النيل من “منية سمنود” إلى مدينة “سمنود” (جمنوتي – ذب نثر) داخل الدلتا، وهناك استقبلها شعب البلدة استقبالـًا حافلـًا؛ فباركه السيد المسيح وبارك بئر ماء بالمدينة. وقد ذكرت بعض المصادر التاريخية أن السيدة العذراء، في أثناء وجودها هناك، عجنت في ماجور كبير بالمدينة مصنوع من الجرانيت موجود حتى الآن.
   وترتحل العائلة المقدَّسة من مدينة “سمنود” إلى منطقة “البرلس” لتصل إلى مدينة “سخا” الموجودة حاليـًّا في محافظة “كفر الشيخ”؛ وذُكر أن قَدَم السيد المسيح ظهرت على أحد الأحجار فيها، إلا أن هٰذا الحجر قد اختفى ثم أعيد اكتشافه في عام ١٩٨٤م. وفي أثناء هٰذه الانتقالات من “سمنود” إلى “سخا”، مرت العائلة المقدَّسة بكثير من البلاد التابعة لمحافظتي “الغربية” و”كفر الشيخ”، ويقول البعض أنها عبرت في طريقها براري “بلقاس”.
   ومن “سخا” عبرت العائلة المقدَّسة مرة أخرى نهر النيل (فرع رشيد) إلى غرب الدلتا لتتجه ناحية الجنوب إلى “وادي النطرون”. وفي الطريق إلى هناك، مرت بنبع “الحمرا” حيث أنبع السيد المسيح نبع ماء عذب أٌطلق عليه اسم “بئر مريم” وهو يقع وسْط البحيرات الممتلئة بمِلح النطرون.
   ثم تتجه العائلة المقدَّسة من “وادي النطرون” جنوبـًا إلى مدينة “القاهرة” حيث عبرت نهر النيل إلى الناحية الشرقية متجهة ناحية “المطرية” و”عين شمس”. وفي تلك الأثناء، كان يسكن منطقة “عين شمس” عدد كبير من اليهود؛ كان لهم معبد يسمى بمعبد “أونياس”. وفي “المطرية”، استظلت العائلة المقدَّسة تحت شجرة لتترك لنا أثرًا عظيمـًا هو الشجرة التي تُعرف باسم “شجرة مريم”، وأيضـًا أنبع السيد المسيح عين ماء شرِب منه وباركه. كما ذكر أن السيدة العذراء غسلت في تلك البئر ملابس السيد المسيح، ثم صبت الماء على الأرض فنبت فيها نبات عطريّ يسمى “البَلسم أو البَلسان”.
   سارت العائلة المقدَّسة من “المطرية” و”عين شمس” إلى “مِصر القديمة”؛ حيث مرت بمنطقتي “الزيتون” و”وسَط البلد” حيث كنيسة السيدة العذراء الأثرية بحارة زويلة، وكذٰلك العِزباوية بمنطقة “كلود بِك”. ومع وصول العائلة المقدَّسة إلى “مصر القديمة” تحطمت الأوثان فيها؛ فثار والي “الفسطاط” وسعى إلى قتل السيد المسيح؛ فأسرعت العائلة بالتحرك جنوبـًا لتصل إلى منطقة “المعادي” (“منف” عاصمة مِصر القديمة)، تاركة وراءها أحد أهم الآثار في “مِصر القديمة” هو الكهف أو المغارة التي لجأت إليها في كنيسة أبي سِرجة والسُّلَّم الحجريّ الذي نزلت عليه العائلة المقدَّسة إلى ضفة النيل من “المعادي” متجهة جنوبـًا نحو الصعيد في مركب شراعيّ بالنيل، المكان الذي أُقيمت عليه الآن كنيسة السيدة العذراء. وفي طريقها مرت بقرية “أشنين النصارى”، متجهة إلى قرية “دير الجرنوس” بمركز “مغاغة” حيث بئر عميقة يُذكر أن العائلة المقدَّسة شرِبت منها. ومرت أيضـًا ببقعة تُسمى “بيت يسوع” شرقيّ “البهنسا” مكانها الآن قرية “صندفا”، “بني مزار”.
   وارتحلت العائلة المقدَّسة من بلدة “البهنسا” ناحية الجنوب حتى بلدة “سمالوط”، ثم عبرت النيل ناحية الشرق حيث “دير السيدة العذراء” في “جبل الطِير” شرق “سمالوط”. ويُعرف الجبل باسم “جبل الطِير” لأن ألوفـًا من طائر “البوقيرس” تجتمع فيه، كما عُرف باسم “جبل الكف” بسبب حدث تعرضت له العائلة في رحلتها؛ ففي أثناء عبورها نهر النيل ومرورها بجوار الجبل، كادت صخرة كبيرة أن تسقط عليها؛ فمد السيد المسيح يده ومنعها من السقوط وانطبع أثر لكفه على الصخرة.
   ومن “جبل الطير” إلى “الشيخ عبادة” (“بير السحابة” ـ “أنْصِنا”) حيث أنبع السيد المسيح بئر ماء عذب. ثم مرت العائلة المقدسة بقرية “بني حسن” جنوبـًا، وعبرت نهر النيل إلى “الروضة” غربـًا لتصل إلى “الأشمونين”. بعد ذٰلك اتجهت العائلة إلى “ديروط أُم نخلة” في الجنوب حيث أنبع السيد المسيح بئر ماء عذب، ثم سارت العائلة إلى “ملوي” (“دير الملاك”)، وعبرت النيل شرقـًا لتصل إلى “تل العمارنة”. وفي الطريق استراحت العائلة المقدَّسة على “كوم بـ”دير أبو حنس” ويُطلق عليه “كوم ماريا”. ثم أكملت الرحلة فأبحرت من “تل العمارنة” متجهة جنوبـًا ناحية “ديروط الشريف”، ثم إلى قرية “قُسقام” (قوست ـ قوصيا)؛ وهناك حدث أن الصنم الذي كان يعبده أهل المدينة تهاوى وتحطم فطرد أهل البلد العائلة المقدَّسة؛ وقد صارت المدينة خرابـًا فيما بعد. وعلى النقيض من هٰذا، اتجهت العائلة إلى بلدة “مِير” (ميره) غرب القوصية حيث أكرمها أهلها،س وباركهم السيد المسيح وأمه السيدة العذراء.
   تحركت العائلة المقدَّسة من “مِير” إلى “جبل قُسقام” حيث الآن “دير المُحَرَّق”، ومكثت هناك ستة أشهر وعشَرة أيام في إحدى المغارات وهي الآن هيكل كنيسة السيدة العذراء الأثرية بالدير. واستقرت العائلة المقدسة هناك حتى ظهر الملاك ليوسُِف مرة أخرى قائلا: “قُم خُذ الصبيّ وأمه واذهب إلى أرض إسرائيل، لأنه قد مات الذين كانوا يطلبون نفس الصبيّ.” (مت ٢:٢٠)، لتعود العائلة المقدسة إلى أرض “فلسطين”.
   وفي طريق العودة، سلكت العائلة المقدَّسة طريقـًا أخرى تنحرف جنوبـًا حتى جبل أسيوط الغربيّ باركته، ومنه إلى “مِصر القديمة”، ثم “المطرية”، ثم “المَحَمَّة” “مسطرد”، ومنها إلى “سيناء” فـ”فلسطين” حيث عادت إلى قرية “الناصرة” في “الجليل”. 
   ومن المعروف أن “مِصر” هي البلد الوحيد الذي لجأت إليه العائلة المقدَّسة وعاشت فيه، ليُحفظ هٰذا الحدث في تاريخها، ولتتمتع ببركات لا تنتهي!

الأسقف العام رئيس المركز الثقافيّ القبطيّ الأرثوذكسيّ

التعليقات