قاهرو المستحيل! – أكتوبر 2015

قاهرو المستحيل! – أكتوبر 2015

أود أن أهنئ إخوتنا المسلمين في “مِصر” والعالم بأسره بعيد الأضحى. ونصلي من أجل سلام وطننا “مِصر”.
“المستحيل” و”ما لا يُقهر” تعبيران تحطما أمام عزيمة المِصريِّين في السادس من أكتوبر، حين تحداهما الجيش المِصريّ بمؤازة المِصريِّين جميعـًا؛ ففي ذٰلك اليوم حطموا “الخط الذي لا يُقهر” وما قيل عنه: “أقوى خط دفاعيّ عرَفه التاريخ الحديث”. فقد اقترح رئيس الأركان الإسرائيليّ ـ في ذٰلك الوقت ـ “حاييم بارليف” إنشاء خط لتأمين الجيش الإسرائيليّ، بعد احتلال “شبه جزيرة سيناء” في الخامس من يونيو ١٩٦٧م. وقد بدأ هٰذا الخط من قناة السويس في عمق ١٢ كيلومترًا داخل “شبه جزيرة سيناء”، على امتداد ضَِفة القناة الشرقية. وتميز “خط بارليف” بساتر ترابيّ ارتفاعه ١٨-٢٢ مترًا، وأن به ٢٠ نقطة حصينة في كل منها نحو ١٥ جنديـًّا تتلخص مهامهم في الإبلاغ عن أية محاولة لعُبور القناة. كذٰلك كانت قاعدة “خط بارليف” محتوية على أنابيب تصب في “قناة السويس” ليُشعل سطحها عند محاولة العُبور. وقد أنشأت “إسرائيل” هٰذا الخط بتكلفة تقترب من ٥٠٠ مليون دولار آنذاك!! وأطلقت عليه لقب “الخط الذي لا يُقهر”، وأن عبوره يُعد من دروب “المستحيل”!
ولٰكنْ المِصريّ ـ كما تخط لنا صفحات التاريخ ـ هو قاهر المستحيلات، إذ بإطلالة سريعة على تاريخ جيش “مِصر” العظيم، لا نجد إلا تحديات وانتصارات. 

انتصارات مِصرية 
بدأ الجيش المِصريّ ـ الذي يُعد أقدم جيش نظاميّ ـ حروبه من أجل وَحدة “مِصر” على يد الملك “مينا” عام ٣٤٢٥ ق. م.؛ ومنذ ذٰلك التاريخ والجيش المِصريّ يُسطِّر بأحرف من نور انتصارات مجيدة. وقد كان الجيش يلقى رعاية ملوك “مِصر” القدماء واهتمامهم الجزيل: فقد وضع الملك “زوسر” (من الأسرة الثالثة) أسس بناء جيش موحد ثابت لـ”مِصر”، ثم تطور الجيش على مدى التاريخ المِصريّ، مثبتـًا كفاءته أمام جميع القوى التي حاولت استعمار “مِصر”. 
إن جيش “مِصر” هو الذي قاوم قوى الهُكسوس التي استطاعت حكم “مِصر” ما يقرب من مئة وخمسين عامـًا في عصر الدولة الوسطى. ويذكر التاريخ بطولات الحكام والمقاتلين والشعب التي تجلت في تلك الحرب، كأيام الملكة “أياح حتب” التى آزرت زوجها “سقنن رع” فى كفاحه ضد الهُكسوس حتى استشهاده، ليكمل ابنه “أحمس الأول” مسيرته حتى طرد أعداء الوطن وحرر أرضها.
معارك كثيرة خاضها الجيش المِصريّ وأثبت فيها قدرة وكفاءة متناهيتين: كمعركة “مَجِدّو”، ومعركة “قادش التي تٌعد إحدى ملاحم الشجاعة والصمود والبطولة للجيش المِصريّ.
وإن كانت قد مرت بمصر فترات تبعية للإمبراطوريات الأخرى، فإن أبناءها كانوا دائمـًا رجالـًا بواسل، كبسالتهم الفائقة المشهود لها المكتوبة أسطرها في “معركة رفح”: فقد قام “بَطلَيموس الرابع” بإعداد الجيش لمحاربة “أنتيكوس” الذي أراد الإغارة على “مِصر”، كما قام بتدريب مواطنين مِصريِّين على فنون الحرب وحمْل السلاح بحسب النظم الحربية الإغريقية، بعد فترة أُهمل فيها تدريب الجنديّ المِصريّ. وتقابل الجيشان عند رفح وبدأت المعركة، وكُسر الجَناح الأيسر للجيش البَطلَيميّ ـ وكان من المرتزقة. فما كان من “بطليموس” إلا أن عاد إلى قلب الجيش ليقوده بنفسه؛ فتظهر قدرة المقاتل المِصريّ ابن النيل الذي استطاع تشتيت شمل جيوش العدُو، محققـًا المجد لشعبه. وبهٰذا النصر الذي صنعته الأيادي المِصرية، بدأ الجنديّ المِصريّ يشعُر بعزته وقدرته وصلابته؛ وهنا أقتبس كلمات المؤرخ “سليم حسن” في موسوعته التاريخية: [منذ الانتصار الذي ناله الجيش المِصريّ في «رفح»، أخذ العنصر الوطنيّ المِصريّ يُثبت وجوده على صفحات التاريخ أمام الإغريق].
وكثير من المعارك، مثل “معركة حِطِّين” التي لم تقدِّم دفاعـًا عن “مِصر” فقط بل عن المنطقة بأسرها بقيادة البطل القائد “صلاح الدين الأيوبيّ”. و”معركة المنصورة” التي آزر فيها أبناء الوطن المِصريُّون القوات المِصرية بقيادة “أقطاي”، ليتصدَّوا جميعـًا معـًا للعدو في واحدة من أشرس المعارك، فيتكبد فيها خسائر فادحة. ثم يهرُب “لويس التاسع” إلى “دِمياط” ويُؤسَر هناك. أيضـًا وقف الجيش المِصريّ أمام الطاغية “چنكيز خان” بفتوحاته الدامية التي وصلت إلى قلب “أوروبا”، ليتولى الحكم من بعده ابنه الذي اجتاح بجُيوشه إيران، ثم بغداد وغزة، ليصل إلى مداخل “مِصر”، مهددًا “قطز” سلطان “مِصر” فيقبِل تحدي التتار له، ليشهد موقع “عين جالوت” أسطورة مِصرية جديدة كُتبت بيد أبطال جيش “مِصر”. ومع أن التتاريِّين لهم مهارة عسكرية خطيرة، فإن مهارة الجيش المِصريّ ـ الممزوجة بحكمة قادته وشجاعته المتفردتين النابعتين من حب عميق لمِصر ـ قد طرحت مهارتهم تلك أرضـًا، لتُصبح “مِصر” أول دولة تهزم التتار!
ويمر التاريخ شاهدًا ببطولات المِصريِّين، وتتوالى الصفحات والمَِحطات المضيئة في تاريخ جيشهم العظيم، لتصل عند صفحة أبَى فيها إلا أن يستسلم للهزيمة التي أدت إلى احتلال سيناء عام ١٩٦٧م؛ فما هي إلا سنون معدودات، وكانت “مِصر” ترُد وبقوة على “إسرائيل” لاسترداد أرضها عام ١٩٧٣م. ولا تنسى سُطور التاريخ أنه في تلك الفترة لم يتوقف الجيش عن الصمود والتصدي للعدُو الإسرائيليّ في حرب الاستنزاف التي بدأت فى مارس عام ١٩٦٩م: عندما قصفت المدفعية المِصرية قوات العدُو فتحطم أكثر من ٨٠% من التحصينات القلاع في “خط بارليف”، وكذٰلك كانت عمليات عُبور وإغارة على العدُو حتى إن إحدى الكتائب تمكنت من العُبور ورفع العلم المِصريّ على الضَِّفة الشرقية، وأيضـًا قامت الوِحْدات البَحْرية في شهر نوﭫمبر بقصف مواقع العدُو فى منطقتي “رمانة” و”بالوظة” على الساحل الشماليّ بسيناء، ولا يُنسى هجوم الضفادع البشرية على “ميناء إيلات” الإسرائيليّ ما أسفر عنه إغراق “المدمرة إيلات” و٣ قطع بحُرية للعدُو. وهٰكذا استمرت البطولات حتى أشرف انتصار أكتوبر.

“حرب أكتوبر” 
بدأت الحرب بهجوم مفاجئ للجيش المِصريّ على القوات الإسرائيلية في سيناء ـ وفي هَضْبة الجَوْلان عند الجيش السوريّ ـ ليُرسم فجر جديد للحرية بفضل بسالة الجيش المِصريّ. ففي تمام الساعة الثانية بعد ظهر السبت السادس من أكتوبر عام ١٩٧٣م ـ الموافق العاشر من رمضان عام ١٣٩٣هـ ـ الموافق عيد الغفران اليهوديّ ـ قامت القوات الجوية المِصرية بضربة جوية مباغتة على الأهداف الإسرائيلية خلف “قناة السويس”، مستهدفةً: مَِحطات التشويش والإعاقة، وبطاريات الدفاع الجويّ، وتجمعات الأفراد، والمدرعات، والدبابات، والمدفعية، والنقاط الحصينة في “خط بارليف”، ومصافي البترول، ومخازن الذخيرة. وعبَر الجنود المِصريُّون “قناة السويس”، في الوقت الذي كان سلاح المهندسين المِصريّ يفتح ثُغرات في الساتر الترابيّ باستخدام خراطيم مياه شديدة الاندفاع. وهٰكذا تحطمت أسطورة “الجيش الإسرائيليّ الذي لا يُقهر” و”خط بارليف الذي لا يٌقهر”. وقد أدى “هنري كيسنچر”، وزير الخارجية الأمريكيّ حينذاك، دور الوسيط بين الجانبين المتحاربين، وصل إلى اتفاقية هدنة، ثم اتفاقية سلام كامل وشامل في “كامب ديڤيد” عام ١٩٧٩م.

• ٣٠ يونيـو
لم يتوقف الجيش المِصريّ عن مساندة شعبه، والقيام بدوره البطوليّ في إعلاء إرادته، فجاء الثلاثون من يونيو عام ٢٠١٣م ليهُبّ الشعب معًا، معلنـًا إرادته في استرداد السلطة من الرئيس “مُحمد مرسي”. ووقف الجيش موقفـًا حياديـًا حتى يتسنى له أن يرى رغبة الشعب الحقيقية، معتبرًا أنها “أمر وتفويض إليه بالتصرف”. وتظاهر أكثر من ٣٣ مليون مصريّ مطالبـًا بالتغيير، فانحازت القوات المسلحة، بقيادة قائدها العام آنذاك وزير الدفاع الفريق الأول “عبد الفتاح السيسي”، إلى تلبية إرادة الشعب، حاميةً أبناء الوطن، متحملةً كل المسؤولية الملقاة على عاتقها من أجله. وهٰكذا قدَّم الجيش ـ وما يزال ـ درسـًا جديدًا إلى العالم في الوطنية وكيف تكون. 
وإلى يومنا هٰذا والقوات المسلحة ما تزال تدافع عن الوطن و”سيناء” في معارك شرسة ضد الإرهاب. 
إن أكتوبر المجيد يحمل دعوة إلى كل مِصريّ بالعمل والبناء من أجل “مِصر” لكي تستعيد مِصرنا أمجادها. 
كل عام وأنتم بخير.

الأسقف العام رئيس المركز الثقافيّ القبطيّ الأرثوذكسيّ

التعليقات