نهاية .. وبداية – يناير 2016

نهاية .. وبداية – يناير 2016

   أهنئ جميع المِصريِّين بحُلول العام الميلاديّ الجديد ٢٠١٦م، متمنيـًا كل الخير والسلام والسعادة للجميع، وأن يعم السلام والهدوء مِنطَقة “الشرق الأوسط” والعالم بأسره.
   ومع بَدء عام جديد، يتحتم على الإنسان أن يتمهل قليلاً في مسيرة حياته، ويجلس إلى نفسه، مقيِّمـًا لأموره وخُطواته التي اتخدها في العام المنقضي؛ إذ كلمة “عام جديد” تحمل إلينا في طِياتها فكرة “التجديد” أو “البداية الجديدة”، وهٰكذا يصبح العام جديدًا وَفقـًا لطريقة استقبال الإنسان له: فإن هناك من تأخذه استعدادات الاحتفال به فتتوارى الأهداف الحقيقية من العام الجديد، ويكون انتقاله من عام إلى عام هو أمر لا يتعدى المظاهر! وهناك من يرغب في الجُلوس إلى ذاته ولٰكنه يؤجل الأمر فينقضي العام تَلْو العام وهو لا يحمل إلا أمنيات بالتغيير! وآخر يجلس إلى نفسه في تقييم وحساب لما تحقق من أرباح، فيكون العام الجديد محاطـًا بأهداف خارجية عن الإنسان. وهناك من يجلس إلى نفسه، مقيِّمـًا ومخططـًا لجوانب حياته بأسرها، واضعـًا نُصْب عينيه أهدافـًا يسعى لتحقيقها بجِد وإخلاص في العام الجديد.
   لذٰلك ليكُن لك العام الجديد عامـًا تتخلص فيه من الصفات غير المرغوبة التي تأمُل أن تتخلص منها كعادات أو أساليب أو أفكار سلبية تؤثر في حياتك، منطلقـًا إلى أخرى إيجابية تساعدك في التطور والنمو وترقي مسيرة حياتك، ومع الآخرين. فليس عيبـًا أن تكون هناك نقاط ضَعف في حياة إنسان، إذ لا إنسان كامل، وإنما العيب ألا يعمل الإنسان على تغيير مثل تلك الأمور حتى يمكنه تخطيها. إذًا، فليكُن العام الجديد عامـًا تسعى فيه لمعالجة إحدى هٰذه النقاط بكل اجتهاد، حتى تتحول إلى إحدى مصادر قوتك!
   ليكُن عامك الجديد عام تحقيق الأهداف: أن تحدد فيه ما تسعى لتحقيقه وتعمل بكفاح واستمرار لإدراك هدفك وتحويله من حُلم في مخيلتك إلى أمر واقع في حياتك. ولن يتحقق ذٰلك إلا بالإصرار والعزيمة؛ وتذكر تلك الكلمات التي تقول: “أنا مصمم على بلوغ الهدف: فإما أن أنجح، وإما أن أنجح!”. وأنت لستَ في حاجة إلى تحقيق أهداف كبيرة وتحقيق إنجازات فائقة دُفعة واحدة، ولٰكن احرِص على تحقيق هدف صغير يعلو بك في سُلَّم الحياة إلى أن تجد نفسك قد وصلت ذات يوم إلى القمة؛ فإن السعي نحو القمم يبدأ بخُطوات في قلب إنسان أصر على الوصول إلى غايته.
   كذٰلك في العام الجديد، اهتم بالأمور التي تمنيتَ تحقيقها ولٰكنك تكاسلتَ عنها، أو نسِيتَها، أو انشغلتَ عنها. ويمكنك أن تبدأ بدراسة أو تدريب يُنمي مهاراتك الشخصية، ويمنحك القدرة على اكتساب مزيد من الخبرات؛ فقد قيل: “إن أول استثمار يمكنك أن تقوم به هو في وقتك، فتستثمره في التعلم والتدرب على زيادة قدراتك وإمكاناتك.”.
   كذٰلك ليكُن عامك الجديد هو عام العطاء للجميع، وفي جوانب متعددة: لأسرتك، لعملك، لأصدقائك، لجيرانك، بل دعني أقول لجميع من يلتقيك في حياتك، وحينئذ تُدرِك معنى السعادة الحقيقية حين تبذُِل الجُهد لإسعاد الآخرين؛ وبينما أنت ترسُِم السعادة في قلوبهم، تعمقها في كِيانك أنت أيضـًا. قدِّم في عملك مزيدًا من: الاهتمام، والإتقان، والصبر، والجُهد، والتميز الذي يُعْلي من شأنك وقدرك. وفي أسرتك، قدِّم مزيدًا من: الاهتمام والرعاية والمحبة؛ فبإسعاد الأسرة تقدِّم مجتمعـًا سعيدًا يحبه كل من يعيش فيه. وكُن إنسانـًا يحمل مشاعر المحبة والسلام والتعاون نحو الآخرين، تشاركهم أفراحهم وأحزانهم، وتَعْضُدهم في الأمور التي يحتاجون إليها؛ فتحيا إنسانيتك الرائعة التي خلقك الله ـ تبارك اسمه ـ عليها، ويزداد رقي المجتمع وترابط أفراده بعضهم ببعض.
   ليكُن عامك الجديد عامـًا تتدرب فيه على اكتساب مزيد من المرونة في اجتيازك صعاب الحياة؛ وكما يقولون: “المرونة هي أن تغير طريقتك لتكمل في الطريق نفسه، وأن تتغلب على الواقع بالتفكير في البدائل المتاحة لديك لتصل إلى هدفك.”. والمرونة أن تنمو قدرتك في معاملاتك مع الآخرين المختلفين معك بمحبة ورحمة، دون النظر في نقاط الاختلاف، بل فيما يجمعكم من أهداف نبيلة، أو وطنية عظيمة، أو عمل ناجح، أو قواعد إنسانية تجمع البشرية كلها في أسرة واحدة.
   وفي العام الجديد، اعمل على اكتساب الدوافع والاتجاهات الإيجابية داخلك نحو ذاتك، والآخرين، والحياة عمومـًا؛ فلا تنغلق على نفسك في أحزان أو آلام تأتيك من ماضٍ لن يعود أبدًا! إنما، يمكنك أن تعتبر ما مضى معلِّمـًا جيدًا تُفيدك دُروسه اليوم والغد. واستقبل غدك حاملاً في قلبك وفكرك أملاً ورجاءً وثقة بيد الله الممتدة إلى الجميع بالخيرات. ولا تدَع أفكارك ومشاعرك تتأثران بما يمر بك من حالة سلبية تُدخل: اليأس إلى قلبك، أو أفكارًا ضيِّقة الأفْق تدفعك نحو اتجاه واحد فقط. بل حاول أن تكون لك التعددية الفكرية ذات الرؤية الممتدة الواسعة التي تُنمي طاقاتك الفكرية والإبداعية.  
   لذا، ليكُن عامك الجديد عام الأمل؛ لأن من الصعب جدًّا أن يُهزم الإنسان الذي يحمل قوة الأمل داخله؛ فالهزيمة الحقيقية تبدأ من اليأس الذي يندس خُلسةً داخلك؛ فلا تسمح له بأن يقتحمك. لذٰلك، لا تتوقف عند إخفاقاتك، بل ابدأ من جديد؛ يقولون: “لا تحاول البحث عن حُلم خذَلك، بل ابدأ في حُلم جديد، واسْعَ نحو تحقيقه.”؛ فالبحث عن أمر لا تستطيعه هو كإنسان يظل واقفـًا يَطرُق بابـًا مغلقـًا ولا يملِك له مِفتاحـًا! في حين إن فكَّر فيما يملِكه، فسينتبَّه لما لديه من مفاتيح كامنة في أعماقه لأبواب أخرى كثيرة! إن ما يصنع الفارق بين حياة إنسان ناجح وآخر فاشل هو قدرة الأول على التنبُّه لِما يحمله في كِيانه من إمكانات. فلا تيأس، متذكرًا: “إن الأمل هو النافذة الصغيرة التي مهما صغُر حجمها، تفتح لك آفاقـًا وطرقـًا واسعة في الحياة.”. فقط، حين تشتد عليك التجارِب، ارفع رأسك نحو السماء، وابتسم قائلاً: “لن أخشى شيئـًا في الحياة ما دام في الكون إلٰه! ضابط كل الأمور! محب للبشر!”.
   هٰذه، عزيزي القارئ، بعض الأمور التي أضعها أمامك مع بَدء العام الجديد.
   أهنئكم جميعـًا بالعام الجديد، متمنيـًا كل خير وسلام لبلادنا المحبوبة “مِصر”.

الأسقف العام رئيس المركز الثقافيّ القبطيّ الأُرثوذكسيّ

التعليقات