ملحمة حب – نوڤمبر 2015

ملحمة حب – نوڤمبر 2015

محافظة “السويس”
هي إحدى محافظات “جُمهورية مِصر العربية”، وتقع شرقيّ “القاهرة” على مدخل “قناة السويس” الجنوبيّ، كما تقع سواحلها على طرف “خليج السويس” الشماليّ؛ تَحُدها: ‏محافظتا الإسماعيلية و”شمال سيناء” شمالاً، ومحافظة “البحر الأحمر” جنوبـًا، ومحافظة “جنوب سيناء” شرقـًا، ومحافظتا “القاهرة” و”الجيزة” غربـًا. تعود أهمية محافظة “السويس” إلى اعتبارها المدخل إلى “أفريقيا” ودُول جنوب غرب “آسيا” وجنوب شرقها. بها ثلاثة موانيّ هي: “بورتوفيق”، و”الأدبية”، و”السخنة”، إضافة إلى الموانيّ المتخصصة؛ وهٰكذا اكتسبت أهمية تِجارية، وأصبحت إحدى القلاع الصناعية والاستثمار الصناعيّ.
وتتعدد البُطولات المِصرية، ليس من خلال أبنائها أبطال القوات المسلحة فقط بل من خلال شعبها المحب لتراب هٰذا الوطن؛ فيأتي “عيد السويس” في اليوم الرابع والعشرين من أكتوبر من كل عام ذكرى لبطولات أهلها في ذٰلك اليوم عينه من عام ١٩٧٣م.
بُطولات
مع عُبور الجيش المِصريّ “قناة السويس”، ومواجهة العدُو بضربات مفاجئة، محققـًا انتصارًا عظيمـًا، اندست القوات الإسرائلية عبر ثُغرة “الدفرسوار” في مدينة “السويس” محاولةً احتلالها. واعتقد العدُو أنه لن يلقى أيّ مقاومة في المدينة التي سكانها عُزْل، دون أسلحة تُذكر. فقد كانت مدينة “السويس”، منذ حرب ١٩٦٧م وطوال ستة أعوام، تتعرض لإغارات من مِدفعية العدُو المحتل للضَِّفة الشرقية على نحو شبه يوميّ، وهو ما تسبب في تهديم معظم المنازل، واستشهاد المدنيِّين؛ فهجر معظم السكان إلى الدلتا والصَّعيد و”القاهرة” حتى أصبحت المدينة شبه خاوية، إلا من نفر قليل هم رجال المقاومة الشعبية، مع أفراد “الفرقة ١٩” وعددهم قُرابة خمسة آلاف جنديّ، مسلحين بالبنادق والأسلحة الخفيفة والقنابل اليدوية وقذائف “آر بي چي R. P. G.”.
الطريق إلى “السويس”
خططت “إسرائيل” لاحتلال مدينة “السويس” بحيث يمكنها محاصرة الجيش الثالث فى شرق القناة، وتجد ما تفاوض به “مِصر” حتى ينسحب الجيش المِصريّ إلى غرب القناة، وتتوقف الحرب وتعود إلى الضَِّفة الشرقية كما كانت؛ هٰذا إلى جانب تحقيق انتصار إعلاميّ باحتلال مدينة تعتبر من أهم المدن المِصرية. وقد اختارت “إسرائيل” لخُطتها أن تكون في مدينة لاستخدام المدنيِّين كدرع دفاع لها؛ فالطيران المِصريّ لن يتمكن من الإغارة على قواتها وضربها حمايةً للمدنيِّين المصريِّين وخَشية إصابتهم وقتلهم بدلاً من العدُو. ثم أصدر “مجلس الأمن” قراره بوقف إطلاق النار.
ويحكي أحدهم أن لُواءً من الجُنود الإسرائيليِّين اتجه إلى “السويس” من ناحية المدخل الشماليّ، وهي مِنطَقة الجناين الريفية، وقد ظن أهل تلك البقعة أن الجُنود الذين يمرون بهم هم للجيش المِصريّ! فلم يمكنهم لحظة أن يظنوا أن الإسرائليِّين لديهم القدرة على دخول المدينة والوجود بها.
وصل الجيش “الإسرائيليّ” إلى مِنطَقة “المثلث” على حدود مدينة “السويس” الشرقية، واستراح فيها قبل استكمال مسيرته إلى عمق المدينة. ثم اتجهت مجموعة من اللُّواء الإسرائيليّ إلى مِنطقة الزيتية في أقصى الجنوب الغربيّ لمدينة “السويس”، في حين تحرك الباقون إلى عمق المدينة إلى أن وصلوا إلى مفترق طرق في “حي الأربعين”، حيث بدأت المقاومة الشعبية في المحافظة مع قوات من الجيش والشرطة للتصدي للقوات ‏الإسرائيلية، في ملحمة بُطولية رائعة ضدها استُخدمت فيها الدبابات والمدرعات.
وبدأ أفراد المقاومة الشعبية في إعداد الكمائن وإطلاق القذائف لتُصيب معها الدبابات والمدرعات. ثم بدأت المواجهات في مخبإ بين دار “سينما رويال” ودار “سينما مِصر” بإطلاق قذيفتي “آر بي چي R. P. G.”، فأصابت إحداهما قرص إحدى الدبابات ما أدى إلى انفجارها وقتل قائدها، والثانية ناقلة الجنود المدرعة وهي تحمل المِظليِّين وكانت خلف الدبابة لتشتعل فيها النيران. ومن القِصص التي رواها البطل “محمود عواد” عن الشهيد “إبراهيم سليمان” بعد إصابته للدبابة: “بعد أن أصاب «إبراهيم» الدبابة الإسرائيلية، ألقى سلاحه، وقام بحركات بهلوانية، وأخذ يصفق بقدميه مبتهجـًا وهو يصرخ: يا أبو خليل يا جن!”.
أدى صوت الانفجارات إلى تجمع أفراد المقاومة الشعبية والجُنود، وتوجيه النيران إلى العدُو في كمين محكم. فغادر الإسرائيليُّون دباباتهم وعرباتهم المشتعلة في محاولة للاختباء في المباني ودار “سينما رويال”؛ إلا أنه قد جرت مواجهتهم، فحاول بعضهم التراجع عندما وجدوا أنهم لن يسلموا من نيران الدفاع المِصرية؛ فاتجهوا من وراء “مسجد سيدي الأربعين”، ليجدوا كمينـًا آخر من جنود “الفرقة ١٩ مشاة” ما اضطرهم إلى التراجع.
ثم تراجعت معظم المركَبات الإسرائيلية إلى مبنى قسم شرطة الأربعين” للاحتماء به بعد قتل المِظليِّين الإسرائيليِّين لشرطيَّين وأَسْر ثمانية؛ ليسيطروا على قسم الشرطة وكان عددهم ٥٠ جنديـًّا تقريبـًا. وحاول رجال الشرَْطة المِصريِّين اقتحام القسم لإنقاذ الأسرى؛ فتمكنوا من اقتحام المدخل حتى غرفة الإسعافات، إلا أن الإسرائيليِّين أطلقوا النيران في محاولة لحماية أنفسهم، وأدى هٰذا إلى تبادل إطلاق النيران وتعرُّض مبنى القسم لقذائف “آر بي چي R. P. G.” والقنابل اليدوية، واشتعلت النيران في الطابق الثاني، وقد سقط من صُفوف رجال الشرَْطة المِصرية عدد من الشهداء.
وقرر الإسرائيليُّون الإفراج عن أحد ضباط الشرَْطة المِصرية ليحمل رسالة إلى المِصريِّين بأنهم يرغبون في الاستسلام شريطة أمنهم. إلا أن التفاوض لم يتم لعدم توقف النيران المتبادلة بين الجانبين. ومع الساعة الرابعة مساء ذٰلك اليوم، لم يَعُد هناك حل سوى اقتحام قسم الشرَْطة. وجاءت المبادرة من أحد أبطال “السويس” وهو “إبراهيم سليمان” الذي بدأ في وضع خُطة الاقتحام مع بعض الفدائيِّين، إلا أنه في أثناء قفز “إبراهيم” فوق سور القسم استُشهد برَصاصة جنديّ إسرائيليّ. ثم بدأت محاولة جديدة من بطلين آخرين “أشرف عبد الدايم” و”فايز حافظ أمين” اللذين سقطا شهيدين على سُلم القسم إلى جوار الخندق داخله.
وبدأ الظلام يسري مع أوامر القيادة الإسرائلية لقواتها بالانسحاب الكامل عدا المحاصَرين في قسم الشرَْطة الذين انضم إليهم آخرون. وقد أجرى القادة الإسرائيليُّون اتصالات فيما بينهم للانسحاب من قسم الشرطة؛ وبينما هم يستعدون للتحرك، اكتشفوا أن القوات المِصرية قد اتخذت مواقعها في الشارع، ما جعل قائد المجموعة يعود للاحتماء بالمبنى. وفي الثانية صباحـًا، بدأت محاولة أخرى لكي يخروجوا تحت غِطاء المِدفعية، وقد اختاروا الذَّهاب يسارًا في شارع واسع، ثم يسارًا مرة أخرى في شارع آخر. وبعد مرور قُرابة الساعتين، وصلوا إلى ترعة عذبة، في مِنطَقة خارج السيطرة المِصرية. ثم اتجهوا إلى جسر لم يكُن مبيَّن على الخريطة، وعبروه. وقبل الفجر بقليل، وصلوا إلى خارج المدينة.
انسحب الإسرائيليُّون يجرون أذيال الخيبة بعد أن تكلفوا خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد: فكما يذكر بعضهم أن تقديرات القتلى في صفوفهم كانت ٣٠٠ تقريبـًا عدا الجرحى. واستُشهد من رجال “السويس” وأبطال المقاومة الشعبية ٨٠ رجلاً تقريبـًا لم يتوانَوا عن بذل حياتهم للدفاع عن مدينتهم ووطنهم.
إن “انتصارات أكتوبر” وروح المقاومة كانتا تسريان بين المِصريِّين جميعـًا لتقديم ملحمة من أروع ملاحم الحب والتفاني لأجل “مِصر”، في بُطولات لم تتوقف حتى تحقق النصر الذي شهد له العالم بأسره. وهٰكذا، دائمـًا وأبدًا، المِصريُّون يصنعون تاريخهم وأمجادهم عبر الأزمان.

الأسقف العام رئيس المركز الثقافيّ القبطيّ الأُرثوذكسيّ

التعليقات