السيدة العذراء – سبتمبر 2015

السيدة العذراء – سبتمبر 2015

قبل أيام معدودات احتفل المَسيحيُّون بعيد السيدة العذراء. وللسيدة العذراء في “مِصر” كرامة وإجلال كبيران من المِصريِّين، إذ ذُكرت في “التوراة” و”الإنجيل” و”القرآن” بكثير من الصفات التي حار فيها المفكرون.

في التوراة
كتب “سليمان الحكيم” عنها في سفر “الأمثال”: “… «بَنَاتٌ كَثِيرَاتٌ عَمِلْنَ فَضْلـًا، أَمَّا أَنْتِ فَفُقْتِ عَلَيْهِنَّ جَمِيعـًا».”، وتنبأ عنها “إشَعَياء النبيّ” أنها تلد ابنـًا: “… يُعْطِيكُمُ السَّيِّدُ نَفْسُهُ آيَةـً: هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنـًا وَتَدْعُو اسْمَهُ «عِمَّانُوئِيلَ».”، ووصفها “حَزْقِيال النبيّ” بالباب المغْلَق: “فَقَالَ لِيَ الرَّبُّ: “«هٰذَا الْبَابُ يَكُونُ مُغْلَقـًا، لاَ يُفْتَحُ وَلاَ يَدْخُلُ مِنْهُ إِنْسَانٌ، لأَنَّ الرَّبَّ إِلٰهَ إِسْرَائِيلَ دَخَلَ مِنْهُ فَيَكُونُ مُغْلَقـًا …” وهو يعني استمرار بَتولية “السيدة العذراء” بعد أن ولدت ابنها “السيد المسيح”، وذُكر عنها في سفر “إشَعَياء النبيّ”: “… هُوَذَا الرَّبُّ رَاكِبٌ عَلَى سَحَابَةٍ سَرِيعَةٍ وَقَادِمٌ إِلَى مِصْرَ، فَتَرْتَجِفُ أَوْثَانُ مِصْرَ مِنْ وَجْهِهِ، وَيَذُوبُ قَلْبُ مِصْرَ دَاخِلَهَا.”، فما هٰذه السحابة إلا “السيدة العذراء” التي كانت تحمل ابنها، هاربة به من وجه من يريد قتله، وقد قال عنها “داود النبيّ” في مزاميره إنها الملكة: “جُعِلَتِ الْمَلِكَةُ عَنْ يَمِينِكَ …”.
كذٰلك حملت “التوارة” عديدًا من الرُّموز التي أشارت إلى “السيدة العذراء”؛ فعلى سبيل المثال: يُرمز إليها بعصا “هارون” التي أفرخت من ذاتها دون سقي كمثال “للسيدة العذراء” التي أنجبت طفلها دون زرع بشر.
ويذكر التاريخ قصة تعلقت بأحد شيوخ بني “إسرائيل” يُدعى “سمعان”، كان أحد السبعين شيخـًا العلماء الذين قاموا بترجمة التوراة من العبرانية إلى اليونانية في أيام “بطليموس” الملك عام ٢٦٩ ق.م. تقريبـًا. وكان “بطليموس” قد أرسل إلى “أورُشليم” واستحضر سبعين رجلـًا من أحبار اليهود وعلمائهم، وأمرهم أن يترجموا له التوراة من العبرانية إلى اليونانية؛ ومن ذكائه، وبلوغـًا إلى دقة الترجمة، عزل كل اثنين منهم في مكان منفرد لضمان الوصول إلى نسخة مترجمة صحيحة. وفيما “سمعان الشيخ” يقوم بالترجمة، وصل إلى قول “إشعياء النبيّ”: “هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنـًا”، وهنا خشِيَ “سمعان” أن يَكتُب تعبير “عذراء تحبل” فيتعرض للإهانة والاستهزاء من الملك. فظل يفكر طويلـًا إلى أن هَدِيَه تفكيره إلى كتابة كلمة “فتاة” عِوضـًا من كلمة “العذراء”. ولٰكنْ أُعلن له في رؤيا أنه لن يرى الموت قبل أن يرى الطفل الذي يولد من هٰذه العذراء؛ وقد تحقق ذٰلك بالفعل إذ عاش هٰذا الشيخ قرابة الثلاث مئة سنة إلى أن وُلد السيد المسيح! ففي أحد الأيام، وبإرشاد من الله، ذهب إلى الهيكل، وكان آنذاك قد كُف بصره، فلما جاء الصبيّ مع “السيدة العذراء” والقديس “يوسف النجار”، حمله “سمعان” الشيخ على ذراعيه، وفي الحال أبصر، وأعلمه الله أن هٰذا هو المولود الذي كان ينتظره، وحينئذ: “َبَارَكَ اللهَ وَقَالَ: «الآنَ تُطْلِقُ عَبْدَكَ يَا سَيِّدُ حَسَبَ قَوْلِكَ بِسَلاَمٍ، لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلاَصَكَ، الَّذِي أَعْدَدْتَهُ قُدَّامَ وَجْهِ جَمِيعِ الشُّعُوبِ نُورَ إِعْلاَنٍ لِلأُمَمِ، وَمَجْدًا لِشَعْبِكَ إِسْرَائِيلَ».”.

في الإنجيل
يأتي ذكر “السيدة العذراء” في قصة البشارة التي ذكرها القديس “لوقا الإنجيليّ” الطبيب، إذ: عندما أُرسِل إليها “جَبرائيل” الملاك، وهي في مدينة “الناصرة”، ليُعلِن رسالته لها ويبشرها بحبلها بالسيد المسيح وولادته، بدأ الملاك حديثه إليها بتقديم التحية والسلام معلنـًا أنها مباركة من بين النساء: ” … مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ».”. إلا أنها اضطربت من تحية الملاك لها فأسرع بقوله: “«لاَ تَخَافِي يَا مَرْيَمُ، لأَنَّكِ قَدْ وَجَدْتِ نِعْمَةـً عِنْدَ اللهِ. وَهَا أَنْتِ سَتَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْنـًا وَتُسَمِّينَهُ يَسُوعَ. هٰذَا يَكُونُ عَظِيمـًا، وَابْنَ الْعَلِيِّ يُدْعَى، وَيُعْطِيهِ الرَّبُّ الإِلٰهُ كُرْسِيَّ دَاوُدَ أَبِيهِ، وَيَمْلِكُ عَلَى بَيْتِ يَعْقُوبَ إِلَى الأَبَدِ، وَلاَ يَكُونُ لِمُلْكِهِ نِهَايَةٌ».”. ثم ذكر القديس “لوقا” أن “السيدة العذراء” اتجهت بعد ذٰلك مباشرة إلى نسيبتها “أليصابات” الحُبلى بابن في شيخوختها لتخدُِمها: “فَقَامَتْ مَرْيَمُ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ وَذَهَبَتْ بِسُرْعَةٍ إِلَى الْجِبَالِ إِلَى مَدِينَةِ يَهُوذَا، وَدَخَلَتْ بَيْتَ زَكَرِيَّا وَسَلَّمَتْ عَلَى أَلِيصَابَاتَ … فَمَكَثَتْ مَرْيَمُ عِنْدَهَا نَحْوَ ثَلاَثَةِ أَشْهُرٍ، ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى بَيْتِهَا.”.
وحين تمت أيام “السيدة العذراء” لتلد، لم تجد لها مكانـًا في “بيت لحم” سوى مذود لتضع فيه الصبيّ! وبعد وِلادته تعرضت حياة الطفل لخطر الموت، حتى ظهر ملاك الله في حُلم لـ”يوسُِف النجار” بعد زيارة “المجوس”، وحذّره من الملك “هِيرودُس” الذي يسعى لقتل الطفل كما ذكر القديس “متى الإنجيليّ”: “«قُمْ وَخُذِ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ وَاهْرُبْ إِلَى مِصْرَ، وَكُنْ هُنَاكَ حَتَّى أَقُولَ لَكَ. لأَنَّ هِيرُودُسَ مُزْمِعٌ أَنْ يَطْلُبَ الصَّبِيَّ لِيُهْلِكَهُ».”. فأسرع “يوسُِف النجار” وأخذ الصبيّ وأمه “مريم” وهربوا إلى أرض “مِصر”، ولم يتوانَوا مع أن الوقت كان ليلـًا. وتذكُر بعض المصادر التاريخية أن العائلة المقدسة قضَّت قرابة الثلاث سنوات ونصف السنة في “مِصر”. وبموت “هيرودُس” الملك، يظهر الملاك مرة ثانية ويأمر “يوسُِف النجار” بالعودة مع الصبيّ وأمه “مريم” ليرجِعوا ويعيشوا في مدينة “الناصرة”. وقد ذكر القديس “يوحنا الإنجيليّ” أنه اعتنى بها حتى نياحتها: “فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ أُمَّهُ، وَالتِّلْمِيذَ الَّذِي كَانَ يُحِبُّهُ وَاقِفـًا، قَالَ لأُمِّهِ: «يَا امْرَأَةُ، هُوَذَا ابْنُكِ».”.

في القرآن
يحمل “القرآن” إجلالـًا كبيرًا “للسيدة العذراء مريم” إذ قال عنها في “سورة آل عمران”: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ﴾. وقد ذُكر عن طهارتها وعدم قدرة الشيطان أن يمَسها ما جاء في صحيح “مسلم”: “كُلُّ بَنِي آدَمَ يَمَسُّهُ الشَّيْطانُ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ إِلّا مَرْيَمَ وَابْنَها.”. و”السيدة العذراء” هي الوحيدة التي حبِلت وولدت وهي عذراء!!! وتلك معجزة من الله؛ ففي “سورة التحريم”: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾، كما هي الوحيدة التي سُميت باسمها سورة في “القرآن” وهي “سورة مريم”، وذكرها الله باسمها في “القرآن”، وهي سيدة نساء العالمين.
وكانت القديسة “حِنة”، والدة “السيدة العذراء”، امرأة عاقر، وكانت تتمنى أن يكون لها نسل. فطلبت إلى الله أن يَرزُقها طفلـًا تَنذُره له؛ ففي “سورة آل عمران”: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. وقد استجاب الله لها ورزقها ابنةً سُميت “مريم” قدِّمت لخدمة الله من طفولتها، وهٰكذا عاشت الطفلة “مريم” في بيت الله. ثم صارت يتيمة في صغرها. وطوال مدة طفولتها كانت حياتها تمتلئ بالصلوات والأصوام في الهيكل؛ ففي “سورة آل عمران”: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتـًا حَسَنـًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقـًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. ثم غادرت الهيكل وبُشرت من الملاك بوِلادة “السيد المسيح”. ويذكر “القرآن” في “سورة مريم” أن الملاك “جبريل” ظهر لها وهي تصلي وتعبد الله ليبشرها بولادتها للمسيح: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابـًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيـًّا﴾؛ ففزِعت عندما رأته، فطمأنها أنه مرسَل من الله من أجل تبشيرها: ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمٰنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيـًّا قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامـًا زَكِيـًّا قَالَتْ أَنََّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيـًّا قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيـًّا﴾.
ونجد في “الإنجيل” أن “مريم العذراء” تساءلت: “«كَيْفَ يَكُونُ هٰذَا وَأَنَا لَسْتُ أَعْرِفُ رَجُلاً؟»”. فأجابها الملاك: “«اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذٰلِكَ أَيْضـًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ …”. وخضعت مريم لمشيئة الله قائلة: “«هُوَذَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ. لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ».”.
إن الله ـ جل جلاله ـ لا يترك من يلجأ إليه، ويظهر هٰذا جليـًّا في حياة “السيدة العذراء مريم” التي اصطفاها من بين نساء العالمين. وقد ذكر “القرآن” في “سورة مريم” أن الله أنطق وليدها بأن تنظر تحتها فتجد عين ماء جارية: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيـًّا﴾، وأن تنظر إلى أعلى فتجد في النخل رُطَبـًا: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبـًا جَنِيـًّا﴾.
ومن هنا نجد أن عظمة “السيدة العذراء مريم” وطهارتها وقداستها التي أنجبت طفلها من دون رجل في معجزة لم تتكرر، ولن تتكرر في التاريخ البشريّ إلى الأبد.
وفي هٰذه الأيام المباركة، نطلب إلى الله كل الخير والسلام لبلادنا “مِصر”، ببركة “السيدة العذراء” التي شرَّفت بلادنا وباركتها. حفِظ الله مِصر وصانها من كل شر.

الأسقف العام رئيس المركز الثقافيّ القبطيّ الأرثوذكسيّ

التعليقات