قناة السويس – أغسطس 2015

قناة السويس – أغسطس 2015

   ونحن نستعد لاستقبال حدث عظيم، أهنئ الشعب المِصريّ وقادته على افتتاح مشروع “قناة السويس الجديدة”؛ ذٰلك الإنجاز العملاق الذي تُهديه “مِصر” إلى العالم، كما أهدت إليه من قبل “قناة السويس”؛ لتظل “مِصر” دائمـًا البلد الذي يمنح العالم الحضارة، وأيضـًا الإنجازات التي تبقى شاهدة لعظمتها على مر التاريخ.

“قناة السويس”
   تُعد “قناة السويس” من أهم قنوات الملاحة في العالم، وهٰذا بفضل موقعها الذي يربط قارات العالم معــًا، في طريق مختصر يدَّخر الوقت والجهد والأموال. كذٰلك تتميز القناة ببعض السمات كخلوها من الأهوسة، فهي تُعد أطول قناة في العالم بلا أهوسة. بلغ طول القناة عند حفرها ١٦٤ كيلومترًا ووصل إلى ٣٠‚١٩٣ كيلومترًا بعد التوسعات العديدة عبر السنوات، وعرضها ٢٠٥ أمتار، وعمقها ٢٤ مترًا.
   تعبر السفن القناة في اتجاه واحد، ثم تمر في الاتجاه المعاكس. وفي الأيام العادية، تعبر القناة ثلاث قوافل، حيث يستغرق المرور ١١-١٦ ساعة، بسرعة تبلغ ٨ عُقدات تقريبــًا.
   والملاحة في “قناة السويس” لا تتوقف نهارًا أو ليلــًا؛ لذٰلك توجد علامات للإرشاد مضيئة وعاكسة تحدد طريق السفن الملاحيّ أثناء الليل، كما توجد ١٥ مَِحطة إرشاد لمتابعة حركة الملاحة بالقناة، وللتدخل بالمعونة في أوقات الطوارئ. وتقع مَِحطات الإرشاد على طول الضَِّفة الغربية للقناة؛ كلّ منها تبعُد عن الأخرى مسافة ١٠ كيلومترات.
   تُشرف على القناة “هيئة قناة السويس المِصرية” التي تتابع على رئاستها قبل التأميم: “فرديناند ديليسبس”، و”جولس جيشارد”، و”أوكست لوي ألبريك”، و”أمير دارنبرك”، و”شارل يونار”، و”لويس دا ڤوياج”، و”فرانسوا شارل رو”؛ وبعد قرار التأميم: د. “مُحمد حلمي بهجت بدوي”، وم. “محمود يونُس”، وم. “مشهور أحمد مشهور”، وم. “مُحمد عزت عادل”، والفريق “أحمد علي فاضل”، والفريق “مهاب مميش.”

“قناة السويس الجديدة”
   بدأت الفكرة بعمل قناة موازية تهدُف إلى إيجاد منطقة عرضها ٧-١٠ كيلومترات بين القناتين، على امتداد القناة كاملــًا. وقد وُضعت مسؤولية تنفيذ هٰذا المشروع على عاتق القوات المسلحة، مع اشتراك قرابة ١٧ شركة وطنية مِصرية في العمل، بإشراف القوات المسلحة المِصرية إشرافــًا مباشرًا.
   ومشروع “قناة السويس الجديدة” هو حفر قناة موازية لـ”قناة السويس” من الكيلومتر رقْم ٦٠ بترقيم القناة شمالـًا إلى الكيلومتر رقْم ٩٥ بترقيم قناة جنوبـًا، مع التوسيع والتعميق في تفريعات “البحيرات المرة” و”البلاح” على طول ٣٧ كيلومترًا؛ ليُصبح الطول الإجماليّ للمشروع ٧٢ كيلومترًا من الكيلومتر رقْم ٥٠ إلى الكيلومتر رقْم ١٢٢.

مشروع مِصريّ
   “قناة السويس الجديدة” هي مشروع مِصريّ، بدأت أولى خُطواته التنفيذية في الخامس من أُغسطس عام ٢٠١٤م، بعد أن دشنه الرئيس “عبد الفتاح السيسي” ليحفِر تاريخـًا جديدًا في ذاكرة التاريخ البشريّ، خطَّته إرادة المِصريِّين القوية الصامدة المتحدية للصعاب والمشكلات، في درس جديد يقدمونه إلى العالم عن “مِصر” الخالدة التي تُبنى بسواعد أبنائها. تهدُف القناة الجديدة إلى تقليل زمن عبور السفن في القناة في كلا الاتجاهين، ليصل إلى ١١ ساعة بدلـًا من ١٨ ساعة. فنتيجة الأعماق التي ستحظى بها “قناة السويس الجديدة”، وبعد تعميق الممر الحاليّ، ستتمكن السفن العملاقة ذات الغاطس فوق ٤٥ قدمـًا من عبور القناة في كلا الاتجاهين، وبأعداد غير محدودة، بعكس الحال قبل إنشاء القناة الجديدة، حيث تسمح القناة الحالية بمرور ٨ سفن عملاقة فقط ذات غاطس فوق ٤٥ قدمـًا، وذٰلك لأن الأعماق الجديدة تسمح بمرور غاطس حتى ٦٦ قدمـًا في كلا الاتجاهين، وعلى طول الممرات الملاحية.
   ومع اكتمال هٰذا المشروع العملاق، ترتفع قدرة “قناة السويس” في عبور سفن مختلفة الحمولات، من ٤٩ سفينة لتصل إلى ٩٧ سفينة يوميـًّا في المتوسط. ويزداد عائد القناة من ٥ مليارات و٣٢٣ مليون دولار بنسبة ٢٥٩%، طبقـًا لزيادة عدد السفة العابرة للقناة. وأيضـًا يؤثر المشروع في تنمية منطقة القناة التي تمتد على طول ثلاث محافظات: “السويس”، و”الإسماعيلية”، و”بورسعيد”؛ لتُصبح هٰذه المنطقة مركزًا عالميـًّا في مجال الخِدْمات اللوچستية والصناعية. إضافةً إلى تطوير المنطقة لتنافس عالميـًّا في تقديم هٰذه الخِدْمات وتنشيط التجارة والسياحة.

أعمال الحفر
   يتطلب المشروع حفر ٢٥٠ مليون متر مكعب من أعمال الحفر الجاف التي تتضمن أعمال حفر القناة الأساسية بطول ٣٥ كيلومترًا. وحفر ٤ قنوات اتصال عند علامات الكيلومترات: ٦٥، و٧٦، و٨٤، و٨٩ بترقيم القناة على طول ٤ كيلومترات، بإجماليّ ١٨٠ مليون متر مكعب أعمال الحفر الجاف. هٰذا مع تعميق “قناة السويس الجديدة” على طول ٣٥ كيلومترًا، وزيادة العمق والعرض للتفريعة الغربية لـ”جزيرة البلاح” على طول ١٠ كيلومترات وعرض ٦١ مترًا ليُصبح عرضها ٣١٢ مترًا، وتفريعة “الدفرسوار” و”كبريت” على طول ٢٧ كيلومترًا، وقنوات الاتصال الأربع للقناة الجديدة بإجماليّ ٢٥٠ مليون متر مكعب حفرًا تحت الماء. وتعمل في المشروع ٣٩ كرّاكة. إضافة إلى حفر مساطح شمعات الرباط، وتخليق الميول الجانبية للتكسيات، والتجهيز الهندسيّ للجُسور والمعديات، وتفريغ أحواض الترسيب في القناة الأساسية، وأيضـًا توسعة البحيرات الطبيعية بمدينة “الإسماعيلية الجديدة”.
   ويزامن تطوير “قناة السويس” مشروع لتنمية “محور قناة السويس” الذي يقدم تطويرًا وتنمية شاملة للمنطقة كلها، مع تحويل الممر الملاحيّ إلى مركز أعمال عالميّ متكامل يعتمد على خِدْمات النقل البحْريّ من: إصلاح سفن، وتموين بالوقود، وخِدْمات القَطر والإنقاذ، ودهان السفن ونظافتها، وخِدْمات الشحن والتفريغ، إضافةً إلى: مجمعات صناعية جديدة، ومجمعات للتعبئة والتغليف، ومراكز لوچستية، ومواني محورية على مدخلي القناة، بما يساهم في وضع “مِصر” على خريطة سلاسل الإمداد العالمية وجزء من منظومة التجارة العالمية.

تمويل مِصريّ
   وجاء تمويل الجزء الخاص بالقناة وحفرها وملكيتها مِصريـًّا خالصـًا، لتكون القناة مِلكـًا دائمـًا وأبدًا للمِصريِّين؛ فبعد أن استعادها أصحابها وأصبحت ملكـًا لهم مع قرار الرئيس “جمال عبد الناصر” أن تؤمَّم عام ١٩٥٦م، لم يستطِع أحد انتزاعها من “مِصر”، هٰذا مع كل ما لاقته من تحالفات دُولية ضد القرار، وجميع ما شُنَّ من هجمات وحروب عليها لتدويلها.
   لذا، قرر سيادة رئيس الجمهورية “عبد الفتاح السيسي” أن يكون تمويل مشروع الحفر للمِصريِّين فقط؛ ففي الخامس عشَر من أُغسطس عام ٢٠١٤م، أُعلن قرار طرح شهادات للاستثمار باسم “شهادة استثمار قناة السويس” لإعداد الأموال اللازمة لتمويل المشروع، التي قُدرت بمبلغ ٦٠ مليار جُنيه مِصريّ. وقد طُرحت الشهادات في سبتمبر من عام ٢٠١٤م، لتشهد “مِصر” ـ كما شهدت دائمـًا عبر تاريخها من مواقف وطنية لشعبها العظيم ـ المِصريِّين وهم يتقدمون على مختلِف فئاتهم وشرائحهم، متكاتفين للعمل من أجل “مِصر” ومشروعها التنمويّ. وفي الخامس عشَر من سبتمبر عام ٢٠١٤م، أعلن السيد “هشام رامز” محافظ “البنك المركزيّ المِصريّ”، غلق الاكتتاب في الشهادات المطروحة إذ أمكن تجميع ٦٤ مليار جُنيه مِصريّ نظير ما تحتاجه أعمال حفر القناة الجديدة، وذٰلك في خلال ٨ أيام من طرحها في المصارف فقط!! وهٰكذا تم تجهيز المال اللازم للحفر من المِصريِّين أنفسهم. أمّا مشروعات التنمية الأخرى، فستُطرح طبقـًا لقانون الاستثمار.
إن هٰذا المشروع الكبير يُعد تجسيدًا عمليـًّا لقوة الإرادة المِصرية في التصدي للتحديات وصنع المعجزات، كما يعكس إصرار أبناء “مِصر” على الجد في العمل، وبذل الجهد والعرق والدماء، من أجل بناء مستقبل أفضل لوطنهم، وتوفير حياة كريمة للأجيال القادمة.
   إن “مِصر” تتجه الآن بخطــًى ثابتة نحو العمل والنمو والبناء، وهو ما يستدعى تكاتف جميع القوى وأفراد الشعب للعمل والبناء. حفِظ الله “مِصر” وصانها من كل شر، وشدد أيدي أبنائها للعمل من أجل رفعتها.

التعليقات