مفاهيم الصَّوم – يوليو 2015م

مفاهيم الصَّوم – يوليو 2015م

يتميز الشعب المِصريّ منذ القدم بأنه شعب عريق تمتد جذور اهتمامه بحياة الإنسان الدينية إلى بَدء التاريخ. وبتتبع حضارة المِصريّ وحياته، نرى أنه يُجِلّ العَلاقة الروحية بالله، ويسعى دائمــًا لوجودها وتأصيلها في حياته عبر الأزمان.
ويُعد الصَّوم إحدى العقائد الأساسية في جميع الأديان التي عرَفها البشر، التي حرَص عليها المِصريّ القديم؛ فقد اهتم المِصريُّون القدماء بأن تحتوي طقوسهم في الاحتفال بالأعياد على “الصوم”: فكانوا يصومون في الاحتفال بعيد النيل وفاءً له، ويمتد أيضـًا صومهم إلى أيام الحصاد وجني الثمار، ويصومون كذٰلك في التقرب لأمواتهم، وفي أربعة أيام من العام في فصل الفيضان، ويوجد صوم آخر مدته سبعون يومـًا يأكلون فيه الخضر فقط ويشربون الماء، كذٰلك كان هناك صوم مختلف يختص به كهنة المعابد عن صوم الشعب.
واليوم يلتقي الشعب المصري معـًا في رحلة الصوم؛ فإخوتنا المسلمون يصومون شهر “رمضان” والمَسيحيُّون يصومون “صوم الرسل”؛ وهٰكذا دائمـًا المِصريُّون يسيرون على النهج نفسه وإن تنوعت عقائدهم.
وإذا تتبعنا أساس الصَّوم، نجد أنه يعود إلى أبوينا “آدم وحواء” حين أمرهما الله بألا يأكلا من ثمر شجرة ما في الجنة. وفي الصوم نجد أنه:

١- يضبط الإرادة
فالصَّوم، ليس كما يعتقد بعض الناس أنه تعذيب للجسد، إنما هو ضبط لإرادة الإنسان من جهة الطعام؛ وبوجه خاص الأطعمة التي تتحرك إليها شهوته. إن الطبيعة الإنسانية مكونة من ثلاثة عناصر أساسية هي: الجسد، والنفس، والروح. فإذا تغلبت الأمور الجسدية على تصرفات الإنسان، أصبح جَسَدانيـًّا، أمّا إذا استطاع أن يتخطى متطلبات الجسد ويُنمي الروح صار إنسانــًا روحانيـّـًا. والصَّوم يساعد الإنسان على تدريب إرادته من خلال امتناعه عن الطعام والشراب فترة زمنية، ثم تناوله أطعمة لا يشتهيها؛ وبذٰلك أمكنه أن يرتفع فوق مطالب الجسد والماديات ليُعطي اهتمامــًا أكبر بالروح. وهٰذا يجعل الصَّوم إحدى الوسائل الروحية التي يستعد بها الإنسان ويتدرب للسُّمو بالجسد إلى مستوًى روحيّ أعمق تنمو فيه عَلاقته بالله. يقول أحد الآباء: “الصَّوم يؤهل النفس للانتعاش الروحيّ، والاتصال بالله، وامتلاء القلب بحب الله.”.

٢- يُعطي قوة
الصَّوم أيضــًا يُعطي النفس والروح قوة؛ فنجاح الإنسان في استغنائه عن أمر يشتهيه مثل الطعام، يساعده ويقويه في تقديم مزيد على المستويَين الروحيّ والنفسيّ. فالنفس التي تستطيع التحكم في طعامها وشرابها والاستغناء عن الطعام الشهيّ بالنسبة إليها، هي بلا شك قادرة على التنازل عن: خطية محببة إليها، وأموال تُقدمها إلى المحتاجين، ووقت وجهد لمساعدة الآخرين. لذا فالصَّوم هو التدريب الأول الذي به ينطلق الإنسان بقوة إلى مزيد من أعمال الصلاح والخير نحو جميع الناس.

٣- يُعطي إحساســًا بالآخرين
والإنسان الذي يمارس الصوم يشعر بإحساس الجوع والعطش في فترة صومه، ما يجعله يختبر مشاعر الاحتياج الشديد؛ وحينئذ يستطيع أن يُدرك حقيقة ما يمر بالفقراء والمحتاجين من مشاعر مؤلمة؛ فنرى مثل هٰذا الإنسان يُسارع بتقديم العَون إلى كل محتاج يلتقيه. أتذكر قصة قرأتُها عن إنسان غنيّ جدًّا كان يدرب نفسه على الإحساس بمشاعر المحتاجين والفقراء؛ فكان يرتدي الملابس المُهلهلة، ويقف في الشارع تحت الأمطار عدة ساعات. وحين سُئل عن تصرفه هٰذا، قال إنه يصنع ما يجعله يشعر بمدى معاناة المتألمين والمحتاجين؛ فيقدِّم إليهم كل ما أمكنه لتخفيف مُقاساتهم.

٤- يَحُث على الابتعاد عن الشر
إن الصَّوم لا يهدُف إلى امتناع الإنسان عن الطعام فقط، وإنما هو يقوِّي إرادة الإنسان ويَحُثه على الابتعاد عن الشر من: نميمة، أو كراهية، أو حقد، أو عادات شريرة أو … إلخ. ومن دون أن يصل الإنسان إلى تحقيق هٰذا، لا يكون قد استفاد شيئـًا في صَومه. يقول أحد الآباء: “الذي يصوم عن الغذاء، ولا يصوم قلبه عن الحَنَق والحقد، ولسانه ينطق بالأباطيل، فصَومه باطل، لأن صَوم اللسان خير من صَوم الفم، وصَوم القلب خير من الاثنين.”. ويقول أب آخر: “إن الصَّوم الحقيقيّ هو سَجن الرذائل أيْ ضبط اللسان، والإمساك عن الغضب، وقهر الشهوات.”. وهٰذا لا يعني أن يتوقف الإنسان عن الصَّوم أو يُهمله إذ لا يستطيع التوقف فعل عن خطيئة ما، بل إن هٰذا أدعى لأنْ يَزيد من صَومه وصلواته لكي يستطيع التغلب على تلك الخطيئة.

٥- تصحَبه الصلاة
والصَّوم تصحَبه ممارسات أخرى من أهمها: الصلاة، والقراءة في كلام الله، ومطالعة سِير القديسين للاقتداء بهم، والنُّسك، والتأمل، مع تقديم أعمال الخير إلى كل إنسان؛ فإنها الغذاء الذي يقدِّمه الإنسان إلى روحه لتتقوى في فترة الصوم. ومن أجمل الكلمات التي قيلت في هٰذا: “دائمــًا الصَّوم يقترن بالصلاة، وهٰذا يعني أن الصَّوم من دون الصلاة هو كَبت وحرمان، ولٰكن بالصلاة يتحول إلى انطلاق روحيّ للنفس.”. لذٰلك، اِقرِن صومك بالصلاة فترتفع بك إلى الدخول في حضرة الله، وتمتلئ حياتك بالبركات، والقوة التي تستطيع بها أن تغير النقائص التي فيك من نحو الله والناس.

٦- يساعد على الاتضاع
يقول أحد الآباء: “الصَّوم يجعل الجسد يتضع”؛ فبه يُدرك الإنسان ضعفه وحاجاته وهو ما يجعله يبتعد عن الكبرياء والاعتداد بالذات. وفي تواضعه يطلب معونة الله، ويمتلئ قلبه بالرحمة نحو الآخرين؛ فلا يَدين أحدًا في ضعفه أو عدم مقدرته، بل يُدرِك أن الجميع بشر يحتاجون إلى معونة الله قبل كل شيء، وإلى أن يشدد بعضهم بعضــًا.

٧- يعبر عن المحبة
وفي الصَّوم تعبير عن محبة الإنسان تجاه الله إذ يقدِّم وصية الله على إرادته وراحته، مُعلنــًا بذٰلك حبه لله. إن الصوم الذي يبدأ بالامتناع عن الطعام والشراب، ثم يتطور إلى الانقطاع عن كل شر يرفضه الله، مع أعمال خير إلى كل محتاج؛ هو بلا شك تعبير حقيقيّ عن محبة حَقَّة من الإنسان نحو ربه. لهٰذا، ليكُن لك صوم تتدرب فيه على محبة الله، وفي الوقت نفسه، تتمرن على محبة الآخرين من خلال الشعور بحاجاتهم وتقديم يد العَون إليهم، لا المادية فقط، ولٰكن المعنوية كذٰلك؛ فكلمات التشجيع اللطيفة الرقيقة التي تقدمها إلى إنسان تجتاحه مشاعر الإحباط هي يد تمتد لمعونته، والوقت الذي تقدِّمه لمساعدة إنسان هو يد تسانده، والنصيحة الأمينة الخالصة التي يحتاجها إنسان تقدِّمها إليه هي يد تَعضُده.

٨- يساعد الجسد
وقد يتذرع بعض الناس في عدم صَومهم بأنه يؤثر سلبــًا في الجسد. ولٰكن هٰذا يُعد غير صحيح بالمرة؛ فالصَّوم يساعد أجهزة كثيرة في الجسم على العمل بكفاءة عالية. بل إننا نرى العالم المتقدم الآن يحذر من الإكثار في الطعام أو الإفراط في الأطعمة الدسمة التي تؤذي الجسم وتسبب أمراضــًا كثيرة، والمَثل يقول: “جوعوا تَصِحّوا”.
أهنئ إخوتنا المسلمين في “مِصر” والمِنطَقة العربية والعالم ببَدء شهر “رمضان”، وليجعله الله صومــًا مقبولــًا، متمنيــًا كل خير وسلام لـ”مِصر” والمِصريِّين جميعــًا.

الأسقف العام رئيس المركز الثقافيّ القبطيّ الأرثوذكسيّ

التعليقات