مصر الحلوة (140) – «أكان زمن الأمان؟» – 24/1/2016

مصر الحلوة (140) – «أكان زمن الأمان؟» – 24/1/2016

   استكمالاً للمقالات السابقة عن حالة “اليهود” السياسية قبل ميلاد السيد المسيح وبعده، التي كانت من خلال خضوعهم لملوك “سوريا”، ثم بعض فترات من الاستقلال في عصر المَكابيِّين، إلى أن خضعت “اليهودية” عام ٦٣ ق. م. للدولة الرومانية، وهكذا ظل الحال حتى ضاق الرومان بما يسببه “اليهود” لهم من متاعب، فأرسلوا “ڤاسْباسيان” على رأس جيش كبير حاصر مدينة “أورُشليم”، ولٰكن هٰذا ليس مجاله في هٰذه المقالة.

   تولى الحكم بعد موت “هِيرُودُس الكبير” أبناؤه الثلاثة: “أرخِيلاوُس” و”هِيرُودُس أنتِيباس” و”فِيلِبُّس”. وتحدثنا عن “أرخِيلاوُس” وحكمه الظالم “لليهودية” و”السامرة” و”أدومية”، فأقاله قيصر “روما”. ويذكر المؤرخ اليهوديّ “يُوسِيفُوس” أن “أرخِيلاوُس” أخذ امرأة أخيه، وعندما صارت في منزله رأت زوجها “إسكندر” في حُلم وهو في حالة حزن وغضب شديدين عليها، وعندما أرادت أن تدنو منه منعها وقال لها: “أما كفاكِ أنكِ تزوجتِ بعدي بفلان، حتى تزوجتِ من بعده «أرخِيلاوُس» أخي، وكسَوتِني العار والفضيحة.” ثم أعلن لها أنه لن يصفح عنها، بل سينتقم مها ومن “أرخِيلاوُس”. واستيقظت المرأة وهي في فزع ورعب شديدين، وأخبرت من لديها بما رأته في حُلمها. ثم ماتت بعد يومين. أما “أرخِيلاوُس” فقد رأى هو أيضـًا حُلمـًا: أنه كان يحمل بين يديه سَبع سنابل من أصل واحد، وهي حسَنة المنظر، فإذا ثور عظيم يُقبل نحوه ويبتلعها. فكان أنه قص حُلمه على بعض العلماء الذين أخبروه أن قيصر ملك الروم سيُبعده عن الحكم بعد أن تولاه سَبع سنوات. وكتب “يُوسِيفُوس”: “فلما كان بعد أيام يسيرة، أن ورد قائد من «أوغسطس قيصر« إلى «أورُشليم» فقبض على «أرخِيلاوُس»، وقيَّده، وحمَله إلى «رومية»، فمات فيها؛ وكانت مدة مُلكه سَبع سنين …”. وملَك أخوه من بعده.

“هِيرُودُس أنتِيباس”

   حكم “هِيرُودُس أنتِيباس”، وكان كثير الشبه بأبيه في فساده. وهو الذي ذُكر عنه أنه أحب “هِيرُودِيا” زوجة أخيه “فِيلِبُّس”، التي قام بتطليق زوجته رغبةً في الزواج منها، ما جعل “يوحنا المَعمَدان” النبيّ يقول له: “لا يحِل لك” إذ كان متعديـًا بزيجته هٰذه على شرائع الناموس. لذٰلك وضع “يوحنا المَعمَدان” في السجن، ثم قطع رأسه بعد طلب “سالومي” ابنة “هِيرُودِيا” لرأس “يوحنا”، إذ كان قد أقسم لها أن يهب لها كل ما تريد إلى نصف مملكته! وذٰلك بعد أن أعجبته برقصها له في عيد ميلاده. ويذكر المؤرخ اليهوديّ “يُوسِيفُوس”: “وكان «هِيرُودُس» هٰذا شرَّ من أخيه «أرخِيلاوُس» وأقبح أفعالاً؛ وكان مسرفـًا في النسوة والمعاصي. وهو الذي أخذ امرأة «فيلبس» أخيه وهو حيّ، وله منها ولدان، واسم المرأة «هِيرُودِيا» … وقتل «يوحنا بن زكريا» الحَبر الأعظم الكاهن الأكبر لَما أنكر عليه أخذ امرأة أخيه وهو حيّ …”.

   اشترك “هِيرُودُس أنتِيباس” في محاكمة السيد المسيح وهزأ به وأهانه؛ وقد مات في أيام حكمه “أوغسطس قيصر”، فملك من بعده “طِيبارِيُوس قيصر” وكان قاسيـًا وفاسدًا: فقد أمر الشعب بالسُّجود لصورته، وأرسل إلى أورُشليم بأحد قواده يُدعى “بِيلاطُس” ومعه صنم على صورته ليسجد له الشعب. ولٰكنّ الشعب رفض فقُتل منه عدد كبير. وقد ملك “هِيرُودُس أنتيباس” إحدى وعشرين سنة تقريبـًا. ثم أرسل “طِيبارِيُوس قيصر” أحد جنوده وحمل “هِيرُودُس” إلى “إسبانيا” حيث مات؛ وقد ملك من بعده ابن أخيه “أغرِيباس” بن “أرِسطُوبولُس” الذي قُتل بيد أبيه “هِيرُودُس الكبير”.

“أغريباس بن أرسطُوبولُس”

   وكان “أغريباس”، ملك اليهود، حاكمـًا “حسَن السيرة، محمود الطريقة، فاضلاً، خيّرًا. وكان مكرَّمـًا عند قيصر، موقَّرًا طول حياته.” بحسب ما ذكر “يُوسِيفوس” المؤرخ. وقد حكم من بعده ابنه المسمَّى على اسمه: “أغرِيباس”. وقد حدث في أيام الملك “أغريباس الثاني” خراب أورُشليم وتشتُّت “اليهود” بين الأمم. وملَك “أغريباس الثاني” عشرين سنة، وكانت أيامه حروبـًا وقلاقل بين “اليهود” و”الرومان” حتى خراب “أورُشليم”.

   ويذكر المؤرخون أن “اليهود” لم يصمُتوا إزاء احتلال “الرومان” لأرضهم ومدينة “أورُشليم” آنذاك، فكانوا أحيانـًا يتهددون الوُلاة، وفي أحيان أخرى يطردون الجُنود الرومانيِّين من مدينة “أورُشليم”، وتارة أخرى يظهرون الرضا بحكم الأباطرة الرومان. وكانت من الحركات المقاوِمة التي ظهرت قبل ميلاد السيد المسيح جماعة اسمها “الغَيُورون”.

“الغَيُورون”  

   أدى خُضوع “اليهود” “للرومان”، مع حكمهم القاسي والدمويّ في كثير من الأحيان، إلى ظهور جماعات قاومت الحكم الرومانيّ، ومنها جماعة أطلق عليها اسم “زِيَلُوت” أو “الغَيُورون”، التي جاءت من كلمة “قَنائيم” المشتقة من الكلمة العبرية “قانا” أيْ “غَيُور” أو “صاحب حَمِيّة”. وقد ذُكر عنها أنها فرقة يهودية دينية اعتبرها البعض جَناحـًا متطرفـًا من الفَرِّيسيِّين وتنظيمـًا عسكريـًّا وحزبـًا سياسيـًّا؛ وتعود تبعيَّتها إلى شخص يُدعى “يهوذا الجليليّ”، وموطنها الجليل. ويأتي أول ذكر لهٰذه الجماعة في العام السادس قبل الميلاد. وقد ذكر “يُوسِيفُوس” أن “هِيرُودُس” أعدم رجلاً يُدعى “حَزَقِيا” هو أبو “يهوذا الجليليّ”.  

   قاومت جماعة “الغَيُورون” الاحتلال الرومانيّ لبلادهم، رافضةً تبعية “اليهود” “للرومان”، غير معترفة بقيصر كملك عليها، معتبرةً أن في ذٰلك خيانة لله ملك “إسرائيل”، ولذٰلك أخذت تنادي بالاستقلال عن الحكم الرومانيّ. وقد ظهر نشاط هٰذه الجماعة على نحو واسع في القرن الأول الميلاديّ، ونادى المتطرفون منها بحمل السلاح واستخدامه وهو ما أدى إلى ظهور مجموعة منها عُرفت باسم “سِيكارِي” أيْ “حَمَلة الخناجر”، وجاءت الكلمة من اللفظة اللاتينية “سِيكا” أيْ “خَِنجر”. وقد قامت “سِيكارِي” بعمليات الاغتيال المنظمة، وطعن الرومانيِّين بالخناجر. وقد نالت جماعة “الغَيُورون” تعاطفـًا وانحيازًا كبيرًا من الشعب اليهوديّ الذي يَئن تحت وطأة الحكم الرومانيّ. وقد انتهت جماعة “الغَيُورون” بعد حصار “أورُشليم” وتدمير المدينة والهيكل.  

   وهٰكذا كانت نتيجة السلطة والاضطهاد الذي تعرض له الشعب اليهوديّ أن سادهم اشتياق إلى تحقيق النبوءات التي ذُكرت عن المسيح، الذي في اعتقادهم سيُعِيد مملكة “داوُد” ومجدها السابق، فيحكمها ويُخضع الشعوب له؛ فقد كانت فكرة اليهود أن “المسيح” القادم إليهم هو ملك أرضيّ مثل “داوُد” الملك العظيم،  ومخلِّص سياسيّ يخلِّصهم من قسوة الحكام الرومانيِّين.

الطوائف اليهودية

“الفَرِّيسيُّون”

   “فَرِّيسيّ” أي “مُفرَز”؛ فقد اعتبر “الفَرِّيسيُّون” أنفسهم مفروزين عن الشعب لقداستهم! فيذكر الكاتب الأديب “عباس محمود العقاد” أن اسم “الفريسيُّون”: “مأخوذ من كلمة عبرانية تقارب كلمة “الفَرْز” العربية في لفظها ومعناها، فهم “المفروزون” أو “المتميزون …”. إلا أن هٰذا المعنى يتباين في القصد والمعنى بين خُصومهم وبينهم؛ فيَقصد به أعداؤهم معنًى هو “المنعزلون”، أما هم فيقصدون به معنًى آخر هو “المفضَّلون”. كما يذكر أيضـًا أن الكلمة مأخوذة من الكلمة العبرية “بيروشيم” وتعني “المنعزلين”، وكانوا يلقَّبون أيضـًا بلقب “حبيريم” أيِ “الرِّفاق” أو “الزملاء”.

   أمّا عن ظهورهم، فيذكر الخوري “بولُس الفغالي”: “تعود جُذور الفَرِّيسية العميقة إلى أيام «عَزَرْيا» و«نَحَمْيا» مع إعادة بناء الهيكل وأسوار «أورشليم» … ويبدو أنهم تأسسوا رسميـًّا في أيام المكابيِّين في القرن الثاني قبل الميلاد.”.وكان الغرض الأساسيّ هو المحافظة على الشريعة والتمسك بها مع التقاليد التي تسلموها شِفاهـًا. فكما ذكرنا: إن عصر المكابيِّين كان ثورة بسبب ما قام به ملوك “سوريا” التي تخضع لها “اليهودية” من إدخال العبادات الوثنية، وفرضها بالقوة على “اليهود”، مع تدنيس المقدسات.

   ويُعَد “الفَرِّيسيُّون” من الطوائف اليهودية الكثيرة العدد، ومبادؤهم وآراؤهم تلقى قَبولاً واسعـًا بين الشعب ووُجهاء “اليهود” الذين لا يخالطون الأمم أيِ الأجانب. ومن أجل شعورهم بأنهم متميزون، كانت تلازمهم صفة التعالي على الآخرين! وقد أوضح ذٰلك السيد المسيح في مثل “الفَرِّيسيّ والعشّار”: “وقال لقوم واثقين بأنفسهم أنهم أبرار، ويحتقرون الآخرين هٰذا المثل: “«إنسانان صعِدا إلى الهيكل ليُصلِّيا، واحد فَرِّيسيّ والآخر عشّار. أمّا الفَرِّيسيّ فوقف يُصلِّي في نفسه هٰكذا: اللهم أنا أشكرك أني لستُ مثل باقي الناس الخاطفين الظالمين الزناة، ولا مثل هٰذا العشار. أصوم مرتين في الأُسبوع، وأُعَشِّر كل ما اقتنيه. وأمّا العشّار فوقف من بعيد، لا يشاء أن يرفع عينيه نحو السماء، بل قرع على صدره قائلاً: اللهم ارحمني، أنا الخاطئ! أقول لكم إن هٰذا نزل إلى بيته مبرَّرًا دون ذاك، لأن كل من يَرفَع نفسه يتضع، ومن يضع نفسه يرتفع.”.

          والفَرِّيسيُّون هم … وفي مصر الحلوة الحديث لا ينتهي …!

الأسقف العام رئيس المركز الثقافيّ القبطيّ الأُرثوذكسيّ

التعليقات