مصر الحلوة 160 – «الصَّوم… والفضائل» – 12/6/2016

مصر الحلوة 160 – «الصَّوم… والفضائل» – 12/6/2016

الأسبوع القادم، وهكذا تجمع المناسبات الروحية المِصريِّين جميعًا كالصَّوم الذى يرتقى برُوحياتهم ويساعدهم فى التقرب لله- تبارك اسمه. والإنسان المِصرى بطبيعته يحب الله، ويتمسك بالرُّوحيات التى يكون لها أعمق الأثر فى نفسه، فهو على مر العصور يهتم بمعرفة الله والاقتراب إليه، مجلِّا كل عمل روحى نحو الله، إذ الاهتمام بالممارسات الروحية هو أمر متعمق فى طبيعته منذ فجر التاريخ فى حياته على مر العصور.
والصوم إحدى الممارسات الروحية التى ترتقى بحياة الإنسان الروحية، وتؤثر بعمق فى حياته وسلوكه نحو نفسه والآخرين، وهو ممارسة روحية أساسية قد نادت بها جميع الأديان والعقائد، ففى الكتاب نجد: «قدِّسوا صَومًا. نادوا باعتكاف»، وفى القرآن: ﴿وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.

الصَّوم لُغويًّا
«الصَّوم» لُغويًّا بحسب «مُعجَم المعانى» هو الإمساك أو الكف عن الشىء، وفى «المُعجَم الوسيط» هو الإمساك عن أى فعل أو قولٍ كان. ويتخطى الصَّوم معناه اللُّغوى الامتناع عن الطعام والشراب- أى الصَّوم الجسدى- إلى أنواع أخرى من الامتناع كالامتناع عن الأعمال الخاطئة أو الأفكار الشريرة فيكون صَومًا للفكر وللنفس.
وفى الصَّوم يكتسب الإنسان فضائل متنوعة فى حياته، فهو يُعد طريقًا يدرب السائرين فيه على الاحتمال، ويقوّى إرادتهم، ويعلّمهم العطاء والزكاة وتقديم الخير لكل إنسان، ولذلك أصبح الصَّوم أساسًا مهمًّا لحياة الإنسان ونموه الرُّوحى، فكما يذكر مثلث الرحمات «البابا شنودة الثالث»: «ليس (الصَّوم) مجرد وصية من الله، إنما هو هبة إلهية، إنه هبة ونعمة وبركة. إن الله الذى خلقنا من جسد ومن روح، إذ يعرف أننا محتاجون إلى (الصَّوم)، وأن (الصَّوم) يلزم حياتنا الروحية لأجل منفعتها ولأجل نمونا الروحى وأبديتنا، منحنا أن نعرِف (الصَّوم) ونمارسه، وأوصانا به…».
والصَّوم يرتبط بالصلوات التى تهب الرُّوح القوة وتسمو بها فى عَلاقتها بالله- تبارك اسمه. كذلك يرتبط «الصَّوم» بفضائل أخرى فى حياة الإنسان، فمنها على سبيل المثال:

(1) الصَّوم والاحتمال
الصَّوم أوقات يتدرب الإنسان فيها على الاحتمال فى حياته: فعلى مستوى الجسد يقضِّى الإنسان فى الصَّوم عددًا طويلًا من الساعات دون طعام أو شراب، وتكون تلك المدة تدريبًا لجسده على احتمال الجوع والعطش فتزداد قدرته على الاحتمال بمرور الأيام، وهى أيضًا أوقات لتدريب النفس على اكتساب فضائل متعددة منها: احتمال الآخرين فى كلماتهم القاسية أو بعض من سُلوكياتهم، والصبر، والقدرة على التحكم فى النفس وعدم الاندفاع إلى الغضب. وهكذا تتدرب النفس يومًا بعد يوم على كبح اللسان ومنعه من إطلاق كلمات الغضب، ويتقوى العقل من أجل مقاومة كل تفكير خاطئ. وهكذا يصوم الجسد عن الطعام والشراب، وتصوم النفس عن الأخطاء. أمّا الروح فمن خلال جسد يحتمل ألم الجوع والعطش، ونفس تحتمل الآخرين وتغفر لهم، وصلوات تصاحب هذا الصَّوم، فإنها تحلق فى السمائيات مرتفعة عن الأرضيات متقويةً، وبذلك يضحى الصَّوم طريقًا للإنسان يكتسب فيه كثيرًا من الفضائل الجسدية، والنفسية، ويتدرج فى سُّمو بحياته الروحية، وفى عَلاقته بربه، وبنفسه، وبالآخرين.

(2) الصَّوم والإرادة
وبعد أن صار الصَّوم تدريبًا للإنسان على الاحتمال، فإنه بمرور الزمن يصبح منهج حياة له فيؤثر فى إرادته ويقويها، فالجسد المتدرب على احتمال الجوع والعطش مُددًا طِوال تتقوى إرادته على رفض كثير من الأمور التى لا تلائمه رُوحيًّا أو أخلاقيًّا، والنفس التى تعلمت فى طريق الصَّوم أن تحتمل وتصبر تتمكن فى يسر من احتمال مشقات طريق الحياة ووُعورة تجارِبها، وهو ما يُعد أحد أسرار النجاح وأسسه. وأيضًا تقوى إرادة الروح فى الاتجاه نحو ما كل ما هو يقرّبها من الله، بالصلاة والعبادة، والانشغال بأعمال المحبة والرحمة والتسامح والمغفرة.

(3) الصَّوم والعطاء
وكما يرتبط الصَّوم بالصلاة بدرجة كبيرة، فإنه يرتبط أيضًا بالعطاء أو الزكاة التى يقدمها الإنسان من أجل سد حاجات المُعوَزين. إن الصَّوم يولِّد فى أعماق الإنسان الإحساس بالبشر وحاجاتهم، إذ أدرك مشاعر الجوع والعطش، فيصبح أكثر إحساسًا بالفقراء والمحتاجين ونراه يُقدم على مساندتهم فى كل أمر يستطيعه وبكل ما أوتى من قوة، ولا تكون زكاته أو عطاؤه على سبيل الواجب بل من منطلق مشاعر رأفة ورحمة وعطف تفيض نحوهم فى رغبة عارمة لإسعادهم! إن الخبرات التى تمر بالإنسان فى الصَّوم تجعله أكثر تعاطفًا ومودة وإنسانية نحو الآخرين، وخاصة المحتاجين، والضعفاء، وكل نفس تتعرض لضيقة. أعجبتنى قصة أحد الأغنياء الذى اعتاد أن يجعل يومًا يشعر فيه بالفقراء والمحتاجين: فكان يَلبس الملابس البالية، ويقف تحت الأمطار ليشعر بمشاعرهم، فلا يقع تحت وطأة قساوة القلب والتكبر بسبب ما يملِكه من أموال طائلة! ولهذا فإن الصَّوم يحمل للإنسان فرصة التلامس مع مشاعر الآخرين، فيهذب من نفسه وأعماله وسلوكه، متملكة عليه مشاعر إنسانية عميقة نحو جميع البشر.

(4) الصَّوم والخير
وعمومًا الصَّوم يقود النفس إلى صنع الخير مع كل إنسان، فهو لا يتوقف على النواحى المادية فقط، ولكنه يتسع لجوانب أخرى فى مجالات الخير: فتقديم النصيحة الصادقة الأمينة لمن يحتاجها هى درب من الخير، وتشجيع الأنفس الضعيفة التى تحتاج لمن يعضدها فى طريق الحياة هى أيضًا لون من الخير، ومساعدة إنسان ليتعلم الجديد فى مجال عمله أو الحياة هو عمل خير، وصنع السلام بين البشر لهُو الخير العظيم! أيضًا مشاركة البشر فى آلامهم وأفراحهم هو خير: فإنه فور الاستماع إلى شكوى نفس متألمة تحتاج إلى أذن مُصغية، أو تقديم ابتسامة لشخص يشعر بالاغتراب، تتولَّد آثار عميقة فى تلك النفوس المحتاجة تساعدهم على اجتياز محن الحياة وصعابها، والانطلاق نحو حياة أفضل وهذا هو أيضًا خير.

(4) الصَّوم والأمانة
وفى أوقات الصَّوم يسعى البشر لأداء أعمالهم وواجباتهم بكل جِد وإخلاص وأمانة، وهى سمات ونتائج طبيعية من الحياة الروحية المتركزة فى هذه الأوقات. إن الإنسان الذى يتدرب على الاحتمال والصبر ويشعر بالآخرين ليُدرك أن أول واجباته فى الحياة أن يعمل بجدية وإخلاص، متممًا كل مسؤولياته أمام الله، وتلك الأمانة تصبح مبدأً من مبادئ حياته فى جميع أحوال حياته، ما يقوده إلى النجاح فى جميع أعماله إلى جانب تفرده فيها.
وعلى هذا النحو، يشترك الإنسان بجسده ونفسه وروحه فى الصَّوم، ويتخطى الصَّوم معه معناه من مجرد الامتناع عن الطعام والشراب إلى: البعد عن الخطيئة، والشعور بالآخرين، والعمل بأمانة فى كل المسؤوليات، وعمل الخير للجميع فتُزرع المحبة والرحمة أينما سار. إن الممارسات الروحية مترابطة ومتشابكة وكل منها يؤدى إلى الأخرى، فى تسلسل بارع هدفه رفع شأن الإنسان وتغيير حياته إلى كل ما هو جليل ومبارَك له وللإنسانية بأسرها.
كل عام وجميعكم بخير، ضارعين إلى الله أن يقبل الأصوام والصلوات والابتهالات من أجل أن يحفظ مِصر والمِصريّين بكل خير وسلام وأمن وبركات، وليمنح السلام والاستقرار للمنطقة العربية والعالم بأسره.
و… وفى «مِصر الحُلوة» الحديث لا ينتهى…!

الأسقف العام رئيس المركز الثقافى القبطى الأُرثوذكسىّ

التعليقات