مصر الحلوة 162 – «كيف أعترف؟.. بما أنكرته!» – 26/6/2016

مصر الحلوة 162 – «كيف أعترف؟.. بما أنكرته!» – 26/6/2016

   تحدثنا فى المقالة السابقة عن تبعية «مِصر» للخلافة العباسية التى نقلت العاصمة من «دمَِشق» إلى «الكوفة»، ولٰكنها لم تدُم طويلًا فانتقلت إلى «الأنبار» فى «العراق» حتى شُيدت مدينة «بغداد». وقد استعادت «مِصر» بعضًا من فترات الهُدوء، التى لم تستمر طويلًا؛ إذ اندس القلق فى البلاد بسبب حالة عدم استقرار الوُلاة لقِصَر مدة الولاية، مع تضاعف الضرائب على المِصريِّين والأقباط بصفة خاصة. وقد قام «البابا خائيل» بدور كبير مع «أنبا مُويسِيس» أسقف أوسيم فى التفاوض لأجل تخفيض الضرائب الباهضة على الأقباط. ثم تحدثنا عن الخليفة «أبى العباس عبد الله» أول خلفاء الدولة العباسية، الذى شهدت «مِصر» فى أيامه ولاية كلٍّ من «صالح بن عليّ بن عبدالله العباسيّ»، ثم «أبى عَون عبدالملك بن يزيد» الذى عُزل من قِبل الخليفة «أبى العباس عبدالله» ووُلِّيَ مكانه «صالح بن عليّ العباسي» مرة أخرى.

«صالح بن عليّ بن عبدالله العباسيّ» (١٣٦-١٣٧هـ)(٧٥٣-٧٥٥م) الولاية الثانية

   عاد «صالح بن عليّ» إلى «مِصر» بجُيوش كثيرة لإرسالها إلى «المغرب»، ووضع عليها «أبا عَون» المعزول؛ وفى تلك الأثناء، مات الخليفة «عبد الله» واستُخلف «أبو جعفر المنصوريّ» الذى أمر بعودة الجُيوش من «المغرب». عاد «أبو العَون» بالجُيوش إلى «مِصر»، ثم خرج إلى «فِلَسطين» لحرب الخوارج وانتصر عليهم؛ وفى طريق عودته إلى «مِصر» عند وصوله إلى «الفرما» التقى «صالحَ بن عليّ» الذى كان متوجهًا إلى «فِلَسطين»، فأقام «صالح» ثانية «أبا عَون» على أمر «مِصر»، أما هو فظل فى «فِلَسطين» ثم تولى أمر «حِمْص» حتى مات.

«أبو عَون عبد الملك بن يزيد» (١٣٧-١٤١هـ) ( ٧٥٥-٧٥٨م) الولاية الثانية

   تولَّى «أبو عَون» أمر «مِصر» مرة ثانية من قِبل «صالح بن عليّ العباسي»، وأقره الخليفة «أبو جعفر المنصوريّ»، وظل فى حكمها حتى استدعاه الخليفة إلى «بيت المقدس»، وكان ذٰلك فى عام ١٤١هـ (٧٥٨م)؛ فترك إدارة شُؤون البلاد لـ«عِكْرِمَة»، وأقام على الضرائب «عطاء بن شُرَحْبِيل»؛ وما إن وصل إلى «بيت المقدس» حتى عزله الخليفة، وولَّى بدلًا منه «موسى بن كعب»؛ وبذٰلك تكون مدة ولايته الثانية على «مِصر» ثلاث سنوات ونصف السنة.

   وتذكر المؤرخة «إيريس حبيب المِصري» أنه فى ذٰلك الزمان كان الكرسيّ الأنطاكيّ شاغرًا بسبب الاضطرابات والأحداث السياسية، فطلب أسقف «حاران» ويُدعى «إسحاق» أن يعتلى هٰذا الكرسيّ، وكان على عَلاقة وثيقة بالخليفة «أبى جعفر المنصوريّ» الذى ساعده بقوته وسلطانه على اعتلاء كرسيّ أنطاكية ـ الذى لم يكُن حقًّا له ـ متوليًا أمر جميع من خالفوه الرأى حتى إنه قتل أسقفين بسبب معارضتهما للأسقف «إسحاق» صديقه ورفضهما أن يعتلى كرسيّ «أنطاكية»؛ وقد ذكر المؤرخون أنهما قالا له: «إنك أسقف، وما دمتَ قد نِلتَ هٰذه الكرامة وجب عليك الخضوع للقوانين الرسولية القاضية بأن لا يترك أسقف إيبارشيته لغيرها. كذٰلك نهى «الرسُْل» (رسل السيد المسيح) عن أخذ كرامة الكهنوت من يد السلطان. ألا تعلم أن من يُقدم على هٰذا العمل يستحق الحِرْم؟».

   إلا أن الأسقف «إسحاق» لم يتراجع، وبعد اعتلائه للكرسى الأنطاكيّ رغب فى استمالة بطريرك «الإسكندرية» إلى موقفه فأرسل رسالة مع أسقفين إلى «البابا خائيل» يسأله الشَّرِكة، وصحِبت تلك الرسالة تهديدات بالمثول بين يدى الخليفة للنظر فى أمره إن رفض شَرِكته. وعند وُصول رسولَى الأسقف «إسحاق» إلى «مِصر»، توجهوا إلى الوالى «أبى عَون» وأبلغوه بأمر الرسالة؛ فأسرع فى طلب «البابا خائيل» وأعلمه بمضمونها وأنه يرغب منه قَبول طلب الأسقف «إسحاق» خوفًا على حياته، وإن كان لن يجبره على اتخاذ أيّ قرار. فطلب «البابا خائيل» من الوالى أن يمهله ثلاثة أيام يقوم فيها بعقد مجمع مع الأساقفة للتشاور فى هٰذا الأمر. وبعد شهر من الزمان قضّاه البابا فى المباحثات، أرسل ردًّا فى رسالة تُعلن رفضه قَبول الشركة. وقد ذكر كل من «ابن المقفَّع» و«إيريس المصري» نص رسالة «البابا خائيل» التى كتب يقول فيها: «لا السيف، ولا النار، ولا الرمى للأسد، ولا النفى، ولا هٰذه كلها مجتمعة تُخيفني! ولن أرضى بعمل غير قانونيّ. ولن أُدخل نفسى تحت حِرْمى الذى كتبتُه بخط يدى.. ولقد حرَم آباؤنا المكرَّمون كل من يأخذ «الكهنوت» من يد السلطان. فإن الأساقفة كانوا قد كتبوا إليّ من أنطاكية فى أيام «يوحنا» البطريرك: أن كل من جلس من بعده من المطارنة على السُّدة البطريركية يكون محرومًا؛ وقد وقَّعت بإمضائى على قرارهم هٰذا. فكيف أَحرِم نفسى الآن؟! وكيف أبرر اليوم ما حَرَّمتُه بالأمس؟! بل: كيف أعترف الآن بما أنكرتُه من قبل؟! وإن الآباء المكرَّمين أنفسهم قد حرَموا كل من يسلك هٰذا المسلك.».

   وما إن استلم الأسقفان رسولا الأسقف «إسحاق» رد «البابا خائيل» على الرسالة التى يحملانها، حتى توجَّها إلى الوالى يطلبان منه أن يكلف «البابا خائيل» بالذَّهاب معهما إلى «حاران» لمقابلة الخليفة «أبى جعفر المنصوريّ». وقد ألح الوالى على البابا أن يقبل طلب الخليفة والأسقف خَشية أن يصيبه أيّ مكروه، إلا أن «البابا خائيل» أصر على التمسك برأيه وأبلغ الوالى أنه سيغادر إلى «حاران». وبينما يستعد البابا للسفر وفى صحبته كل من «أنبا مُويسِيس» أسقف أوسيم و«أنبا ثِيئودُورُس» أسقف بابلون، جاءهم خبر موت الأسقف «إسحاق» فلم يغادروا البلاد.

   وعن تلك الأثناء، ذكر «ابن المقفع» واقعة عن نهر «النيل» الذى كان منخفضًا: إذ قد قام «البابا خائيل» والأساقفة والشعب فى «عيد الصليب» بالصلاة على شاطئ النهر، طالبين رحمة الله، لعدد من الساعات، وارتفعت مياه «النيل» بالفعل. ثم طلب الوالى من «أنبا مُويسِيس» مع قبط «الفسطاط» الصلاة مرة أخرى لأجل مياه «النيل»؛ فصلَّوا عند شاطئ البحر طوال اليوم؛ فزاد «النيل» ثلاثة أذرع فى تلك الليلة؛ ولأجل هٰذا تعاطف «أبو العَون» مع القبط وخفف عنهم الضرائب.

   وقد ساد السلام «مِصر» فى السنوات الأخيرة من حَبرية ذٰلك البطريرك الجليل، الذى تحمل كثيرًا من المشاق والآلام والاضطهادات فى زمن رئاسته للكرسيّ المَرقسيّ الذى بلغت نحو ثلاثة وعشرين عامًا ونصف العام، محافظًا بكل أمانة على الوديعة التى اؤتمن عليها، ثم تنيَّح بسلام.

   أما عن «أنبا مُويسِيس»، فقد استكمل حياته فى صلاة وصوم، وكان لا يلتقى شعبه إلا يومى السبت والأحد؛ وفى لقائه مع رعيته كان يبُث فى أنفسهم تعاليم الرحمة والمحبة والغفران: ففى ذات يوم، جاءه رجل يشكو جاره أنه قام بسرقة بعض مما يزرعه ليدفنه إلى أن تواتيه الفرصة لأخذه طعامًا يأكله فيما بعد، إذ كان فى تلك الأيام غلاء عظيم؛ فطلب منه «أنبا مويسيس» ألا يقابل الشر بالشر بل يقدِّم الخير بحسب الوصايا؛ فسمع له الرجل وفعل كما طلب منه الأب الأسقف فبارك الله فى أمواله. وهٰكذا عاش «أنبا مُويسِيس» حياة طاهرة مقدَّسة، مصاحبًا «البابا خائيل» ومحتملًا الآلام والعذابات معه وفى رعاية أنفس رعيته أفضل رعاية، إلى أن مرِض وأدرك أنه سيغادر العالم سريعًا، فدعا إليه شعبه وباركه ثم تنيح بسلام. و… وعن «مِصر الحُلوة» الحديث لا ينتهى…!

الأسقف العام رئيس المركز الثقافى القبطى الأرثوذكسىّ

التعليقات