مصر الحلوة 167 – «الوشاية» – 7/8/2016

مصر الحلوة 167 – «الوشاية» – 7/8/2016

   تحدثنا فى المقالة السابقة عن الخليفة «مُحمد المهدى» ثالث خلفاء الدولة العباسية: سمات شخصيته، واهتمامه برعيته، وما شهِده عصره من الفتن والثوْرات داخليًّا كـ«ثورة سوريا» و«ثورة خُراسان» و«ثورة الزنادقة»، والإغارات الخارجية، واهتمامه بوضع وُزراء يكون لهم دَور فى الحكم. وتكلمنا عن تولى «عيسى بن لُقمان» أمور «مِصر» من قِبل الخليفة، ومن بعده «واضح المنصورى».

«واضح المنصورى» (١٦٢هـ) (٧٧٩م)

   وهو يُدعى «واضح بن عبدالله المنصورى»، تولَّى «مِصر» من قِبل الخليفة «المهدى». وكانت له مكانة مخصوصة عند «المنصور» فكان يُرسله فى كثير من المُهمات لشجاعته وشدته. فلما تولى أمور «مِصر»، عامل أهلها بالشدة، فقدَّموا الشكاوى إلى الخليفة الذى عزله، ولذا لم يحكم «مِصر» سوى ثلاثة أشهر ونصف الشهر تقريبًا. ثم تولَّى شُؤون «مِصر» من بعده «منصور بن يزيد».

«منصور بن يَزيد» (١٦٢هـ) (٧٧٩م)

   هو «منصور بن يَزيد بن منصور بن عبدالله الرُّعَينِى»، ويُذكر أنه ابن خال الخليفة «المهدى»، فتولى أمور «مِصر» من قِبله، ثم عُزل منها فى العام نفسه بعد قُرابة شهرين وبضعة أيام، ووُلِّى بدلاً منه «يحيى بن داوُد».

   وهكذا نجد أن «مِصر» قد شهِدت فى خلال العامين ١٦١ و١٦٢هـ (٧٧٨ و٧٧٩م) خمسة وُلاة، هم: «موسى بن على»، «عيسى بن لُقمان»، «واضح المنصورى»، «منصور بن يزيد»، و«يَحيى بن داوُد»، وهو أمر يدل على حالة عدم الاستقرار التى كانت تشهدها البلاد.

«يَحيى بن داوُد» (١٦٢-١٦٤هـ) (٧٧٩-٧٨٠م)

   هو من أهل «خُراسان»، ويُدعى «يَحيى بن داوُد» الشهير بـ«ابن ممدود الأمير أبى صالح الخُرَسِى». ولّاه الخليفة «مُحمد المهدى» حكم «مِصر» بعد أن قام بعزل «منصور بن يزيد». اتصف بالبأس والقوة والشدة مع قدرة على إدارة أمور البلاد. وعندما تولى «أبوصالح» حكم «مِصر»، وجد أن أهلها يعيشون فى حالة شديدة من عدم الأمن، وأن الطرق فيها مخيفة بسبب ازدياد عدد قُطاع الطرق والمفسدين، فقاومهم وقتل كثيرين حتى أبادهم، وهو ما جعل له هيبة كبيرة لدى المِصريِّين، ومخافة عند الجميع. ويذكر عنه المؤرخ «التَّغرى»: «… كان أشد الملوك حرمة، وأعظمهم هيبة، وأقدمهم على سفك الدماء، وأنهكهم عقوبة… وفرِح المِصريون بعزله عنهم… وكان من أجَلّ أمراء (مِصر)، لولا شدة كانت فيه». وقد وصل الأمن فى عهده إلى حد كبير: فكان هو أول من منع الناس من غلق الطرق والبوابات والمحالّ، حتى إنهم أغلقوا محالهم بشرائح من القصب والشِّباك لمنع الحيوانات من دُخولها أثناء الليل، وكان يردد قوله: «من ضاع له شىء فعلىَّ أداؤه»، وأيضًا منع حراسة الحمامات قائلاً: «من راح له شىء، فأنا أقوم له به من مالى»، وكان الرجال يدخلون تاركين ملابسهم فى المكان المخصص لذلك ويخرجون فيجدون ثيابهم كما هى لم يمسها أحد. وعلى الرغم من ازدياد الأمان فى عهده، فإن المِصريِّين قاسَوا منه شدائد كثيرة. وقد حكم «مِصر» ما يقرب من عام وشهر، ثم عزله الخليفة «مُحمد المهدى» ووضع «سالم بن سَوادة» بدلاً منه على حكم «مِصر».

«سالم بن سَوادة» (١٦٤-١٦٥هـ) (٧٨٠-٧٨١م)

   هو «سالم بن سَوادة التَّميمى»، تولى حكم «مِصر» قرابة العام. وقد امتلأت أيامه بالحُروب فى «مِصر» و«المغرب». أعد الجُيوش المِصرية وأرسلها إلى «بَرقة»، لٰكنها عادت دون قتال بعد أن علِمت بالفتنة بين البربر هناك. ثم تولَّى أمر «مِصر» من بعده «إبراهيم بن صالح».

«إبراهيم بن صالح» (١٦٥-١٦٧هـ) (٧٨١-٧٨٤م)

   هو ابن عم الخليفة «المهدى»، ويدعى «إبراهيم بن صالح بن على بن عبدالله بن العباس الهاشمى». وفى أيام حكمه «مِصر»، ظهر شخص فى صَعيدها يسمَّى «دِحْيَة بن المعصب بن الأصبغ» ونادى لنفسه بالخلافة، ولكن «إبراهيم» والى «مِصر» لم يهتم بأمره حتى عظُم شأن «دِحْيَة» وتبِعته بلاد الصَّعيد. وكاد «دِحْيَة» يتولى أمر «مِصر» وحُكمها، وسمِع «المهدى» بالأمر فغضِب غضبًا شديدًا على «إبراهيم» والى «مِصر» وعزله فى عام ١٦٧هـ، ثم صادر ما لديه وأخذ منه ومن عماله ٣٥٠ ألف دينار. وقضَّى «إبراهيم» فى حكم «مِصر» قرابة ثلاث سنوات.

«موسى بن مُصْعَب» (١٦٧-١٦٨هـ) (٧٨٤-٧٨٥م)

   هو «موسى بن مُصْعَب بن الربيع الخَثَعْمِى»، أقامه «المهدى» واليًا على «مِصر» بعد عزل «إبراهيم بن صالح»، وعندما وصل «مِصر» أبلغ «إبراهيم» أن الخليفة قد أمره بمصادرة كل ما لديه فأخذ الأموال المذكورة سابقًا منه ومن العاملين معه، ثم أمره بالذَّهاب إلى «بغداد». وقد زاد «موسى» فى الضرائب على المِصريِّين، ووضع أموالاً على البائعين والحيوانات، وتشدد فى الحصول على الضرائب، فكانت أيامه شدة وضيقًا على المِصريِّين جميعًا، وكرِهه الجميع. كذلك سار فى سيرة سيئة وارتشى فى أحكامه. وقد أعد «موسى» الجُيوش لقتال «دِحْيَة»، ثم قاتل «قيس» و«اليمانية»، وفى هذا يذكر المؤرخون: «… خرج هو بنفسه فى جميع جُيوش مِصر لقتال (قيس) و(اليمانية)، فلما التقَوا انهزم عنه أهل «مِصر» بأجمعهم وأسلموه فقُتل. ولم يتكلم أحد من أهل (مِصر) لأجله كلمة واحدة!… وكان «موسى» هذا من شَرّ ملوك «مِصر»، وكان ظالمًا غاشمًا. ويُذكر أنه كان قد ولَّى «عَسّامة بن عمرو» على أمور «مِصر» بعد خروجه للحرب. وكانت مدة ولاية «موسى» قُرابة عشَرة أشهر.

«عَسّامة بن عمرو» (١٦٨-١٦٩هـ) (٧٨٥م)

   يُدعى «عَسّامة بن عمرو بن عَلْقَمَة». استخلفه «موسى بن مُصْعَب» قبل خروجه للحرب، وبعد أن قُتل «موسى» فيها أقره الخليفة «المهدى» حاكمًا على «مِصر». حارب «دِحْيَة»، ولكن قائدَى الجيشين قد تطاعنا وقتل كل منهما الآخر، فعاد الجيشان منهزمَين. ولم تمضِ بضعة أشهر حتى تولى «الفضل بن صالح العباسى» حكم «مِصر»، لتكون مدة تولى «عَسّامة» شُؤون «مِصر» قرابة ثلاثة أشهر، ومات الخليفة «المهدى» بعد ذلك بزمن وجيز.

   وفى ذلك الزمان، كان «البابا مينا الأول» قد تنيح فى عام ٧٧٦م، وظل الكرسى المَرقسى شاغرًا فترةً طويلة، إلى أن اجتمع الآباء الأساقفة لإقامة بطريرك، ورُشح عدد من الأسماء، وكانوا يكتبون الأسماء ويضعونها فى الهيكل مكان الصلاة، ويصلون طالبين إلى الله إرشادهم لمن يتولى تلك المسؤولية الكبيرة، ثم يأتون بصبى صغير يختار أحد الأسماء المكتوبة فيصير صاحب الاسم بطريركًا. وقد ذكر أحد الشمامسة الشُّيوخ اسم أحد الرهبان ويُدعى «يوحنا» وكان تلميذًا «للبابا خائيل»، فكتب اسمه مع الأسماء الأخرى. وبعد الصلاة سحب الصبى الورقة التى تحمل اسمه، وتكرر الأمر ثلاث مرات متتالية فقُدم بطريركًا على الكرسى المَرقسى ليصبح «البابا يوحنا» الثامن والأربعين فى بطاركة الإسكندرية.

«البابا يوحنا» (٧٧٦-٧٧٩م)

   عاصر «البابا يوحنا» الخليفة «مُحمد المهدى»، ونال بحُسن خلقه وعمله الخير الذى لا يتوقف محبة الملوك والوُلاة، فساعدوه مع الشعب فى بناء كنيسة ومسكن بطريركى له، إلى جانب تزيين كنائس «الإسكندرية». فاز بثقة الجميع، حتى إن أحد الأطباء المشهورين آنذاك حاول الاستيلاء على كنائس الأقباط لكن الحكام لم يقبلوا كلماته من أجل ثقتهم بـ«البابا يوحنا»، وذات يوم، أراد الوشاية بـ«البابا يوحنا» فذكر أمام الوالى أن بابا «الإسكندرية» يأخذ أملاك الدولة ويبنى فوقها الكنائس!! لكنّ سَُِرعان ما انكشف كذب ذٰلك الرجل للخليفة الذى أمر بإتمام بناء الكنيسة.

   وحل بـ«مِصر» غلاء شديد فى ذلك الزمان، فكلف «البابا يوحنا» تلميذه «مَرقس» أن يمُد يده بمساعدة كل محتاج، ومن جانبه لم يفتُر هو عن إقامة الصلوات والطلبات إلى الله كى يرفع هذا الغلاء عن «مِصر»، وظل هكذا حتى استجاب الله وانقشعت غَيمة الغلاء عن «مِصر».

و… وعن «مِصر الحُلوة» الحديث لا ينتهى…!

الأسقف العام رئيس المركز الثقافى القبطى الأرثوذكسى

التعليقات