مصر الحلوة 179 – «أول الشر…» – 30/10/2016

مصر الحلوة 179 – «أول الشر…» – 30/10/2016

   استعرضنا فى المقالة السابقة استيلاء جُيوش «المأمون» على مدينة «بغداد»، وقتل «الأمين»، كما استعرضنا حكام «مِصر» فى أواخر عهد «هارون الرشيد» حتى وفاته سنة ١٩٣هـ (٨٠٩م). واليوم، نستكمل: حكام «مِصر» فى زمن خلافة «الأمين»، وحربه مع «المأمون» التى تأثرت بها «مِصر».

   مع تولى «الأمين» أمور الخلافة، ثار جند «مِصر» على حاكمها آنذاك «الحسن بن البَحْباح»، ودارت حرب معه قُتل فيها كثيرون من الفريقين، إلى أن استتب الأمر «للحسن» وجمع ضرائب «مِصر» وأرسلها إلى الخليفة. واستمر «الحسن» على حكم «مِصر» عامًا وشهرًا فقط، ثم تولى حكم «مِصر» «حاتم بن هَرْثَمة» من قِبل الخليفة «الأمين».

«حاتم بن هَرْثَمة» (١٩٤-١٩٥هـ) (٨١٠-٨١١م)

  يُدعى «حاتم بن هَرْثَمة بن أَعيَن»، ولّاه الخليفة «الأمين» حكم «مِصر» بدلاً من «الحسن بن البَحْباح»، وعندما وصل إلى «بلبيس» استحضر أهل «الأحواف» فجاءوه وقدموا له الضرائب. ولكن قام على «حاتم» فيما بعد أهل «نتو» و«تُمَى»، جاعلين عليهم قائدًا يُسمى «عثمان بن مستنير الجُذامى»، فحاربوه هو وجيشه، فهزمهم «حاتم»، ثم وصل إلى «مِصر» ومعه قرابة مئة رهينة من أهل «الحوف». اهتم حاكم «مِصر» بشؤون البلاد وبنى القبة المعروفة باسم «قبة الهواء»، واستمر فى الحكم قرابة عام ونصف عام حتى عزله الخليفة «الأمين» وولَّى بدلاً منه «جابر بن الأشعث». ويذكر المؤرخ «ابن التَّغرى» أنه فى زمن حكم «حاتم» على «مِصر»: «أمر الخليفة (الأمين) بالدعاء لابنه (موسى) على المنابر بعد ذكر (المأمون) و(القاسم)، فتنكر كل واحد من (الأمين) و(المأمون) لصاحبه وظهر الفساد بينهما، وهذا أول الشر والفتنة بين الأخوين». وأيضًا أرسل «الأمين» فى شأن ابنه «موسى» إلى «المأمون» يطلب منه أن يقدِّمه- بعد أن أطلق عليه اسم «الناطق بالحق»- فى ولاية العهد، فازدادت الأمور بينهما بغضة وعداوة. ثم عزل الأمين أخاه «القاسم» عن حكم الثُّغور والعواصم وأمره بالإقامة فى «بغداد»، وعندما علِم «المأمون» بذلك قطع البريد عن «الأمين» وأسقط اسمه رسميًّا سواء أكان المطرَّز على الثياب السلطانية أو المنقوش على المسكوكات من العملات الرسمية. ثم بايع «الأمين» ابنه وليًّا للعهد، فتحقق «المأمون» من خلعه عن الولاية فتسمى بـ«إمام المؤمنين»، فأرسل «الأمين» جيشًا يحارب «المأمون»، كما ذكرنا بالتفصيل سابقًا.

«جابر بن الأشعث» (١٩٥-١٩٦هـ) (٨١١-٨١٢م)

   هو «جابر بن الأشعث بن يَحيى بن النقى الطائى»، تولى حكم «مِصر» وجمع ضرائبها من قِبل «الأمين»، وقد قيل عنه: «كان «جابر» ليّنًا محبَّبًا إلى الناس من العامة والخاصة، وفى أثناء حكمه، تقاتل جيشا «الأمين» و«المأمون» فى «الرّى»، ثم فى «همَِذان»، وهُزم جيش «الأمين» فى المعركتين، وهو ما كان له أثره فى جند «مِصر» إذ بدأ يسرى بينهم الحديث فى أمر خلع «الأمين» غضبًا من أجل «المأمون»، وكان أول من أثار ذلك الأمر شخصان «مُحمد بن صُعَير» و«السَّرِى بن الحَكَم»، فتبِعهما نفر قليل من الشعب أولاً، ولكن ما لبِثت أعداد الداعين إلى ذلك الأمر أن أخذت فى الازدياد. إلى أن قام «السَّرِى بن الحَكَم» على رأس جماعة كبيرة داعيًا إلى خلع «الأمين» ومبايعة «المأمون»، فأجابه كثيرون، وقام قتال شديد بين «جابر بن الأشعث» و« السَّرِى بن الحَكَم»، فانتصر «السَّرِى» وطرد «ابن الأشعث» من «مِصر» فغادرها عام ١٩٦هـ (٨١٢م) بعد أن حكم «مِصر» قرابة عام. وولَّى «المأمون» حكم «مِصر» لـ«عبّاد بن مُحمد» من بعده. وقد شهِد ذلك العام أحداث القتال بين «الأمين» و«المأمون»، ورفع «المأمون» منزلة وزيره «الفضل بن سهل» تاركًا له إدارة شُؤون الحرب وتدبير أمور الدولة، فى حين كان «الأمين» لايزال فى «بغداد» ولكن فى ضعف شديد، فقام فيها «الحُسَين بن على بن عيسى» بخلعه وإعلان «المأمون» خليفةً، فحدثت حُروب آلت إلى عودة «الأمين» للحكم، كما ذكرنا من قبل.

«عبّاد بن مُحمد» (١٩٦-١٩٨هـ) (٨١٢-٨١٤م)

   هو «عبّاد بن مُحمد بن حَيّان البَلخى» أحد كبار القواد، قدَّمه «هَرْثَمة بن أَعيَن» حتى ولّاه «المأمون» على حكم «مِصر» عام ١٩٦هـ (٨١٢م). إلا أن الأمر لم يرُق للخليفة «الأمين»، فكتب إلى رئيس قيس الحوف «رُبيعة بن قيس» وإلى جماعة من المِصريِّين على إعانته، فقاموا بخلع «المأمون» وإعادة «الأمين» وأعدوا العُدة لحرب «عبّاد» أمير «مِصر» الذى قام بحفر خندق حول مدينة «الفسطاط»، واشتعلت الحروب بين الطرفين. وقد اختلف المؤرخون فى نهاية أمر «عبّاد»: فذكر بعضهم أنه أُلقى القبض عليه وذهبوا به إلى «الأمين» فقتله عام ١٩٨هـ (٨١٤م)، فيما رفض آخرون قصة أسر «عبّاد» وقتله على يد «الأمين» إذ كان قد قُتل آنذاك، ذاكرين أن الفريقين قد استمرا فى التقاتل حتى بلغهم مقتل «الأمين» وخلافة «المأمون» فتوقفوا وتفرقوا، واستُبعد «عباد» عن حكم «مِصر» ليكون قد حكم «مِصر» قُرابة عام وسبعة أشهر، ويُذكر فى زمن حكمه أن شخصًا يُدعى «بهلول اللَّخمى» قد تغلب على «الإسكندرية».

   وقد ذكر المؤرخون فى أمر «عبّاد» أنه كان يرفَُق بالشعب، ولديه حكمة سياسية، مع خبرته فى الحُروب حتى إنه استطاع استمالة كثيرين ممن يتبعون «الأمين»، وكاد أن ينجح لولا قتال أهل «الحوف» له. ثم تولَّى «المُطَّلِب بن عبدالله» أمر «مِصر» من قِبل «المأمون».

   وبذلك تكون «مِصر» قد تأثرت تأثرًا شديدًا بالحرب التى وقعت بين «الأمين» و«المأمون»، وشهِدت حروبًا عنيفة بين وُلاة وأنصار كل منهما، حتى إنها امتلأت بالاضطرابات والقلق وقتل كثيرين. وفى تلك الأثناء، رأى إمبراطور «القسطنطينية» أن الفرصة سانحة لاستعادة «مِصر»، فأرسل أسطولاً لغزو «دِمياط».

الخليفة «المأمون» (١٩٨-٢١٨هـ) (٨١٣-٨٣٣م)

   يُذكر فى «المأمون» أنه وُلد فى اليوم الذى تبوأ فيه أبوه «هارون الرشيد» الخلافة عام ١٧٠هـ (٧٨٦م)، وأن أمه من أصل فارسى وتُدعى «مَراجل»، وأنه وهو فى الثالثة عشْرة قد أقامه «الرشيد» وليًّا للعهد بعد أخيه «الأمين»، فتولى الحكم من بعد مقتل «الأمين». أقام «المأمون» فى مدينة «مَرْو» عاصمة «خُراسان»، ولم يحضَُر إلى «بغداد» على خلاف من سبقوه فى الحكم. وقد ترك «المأمون» شُؤون الدولة والتصرف فيها لوزيره «الفضل بن سهل»، فى الوقت الذى اهتم هو بالعُلوم والفلسفة فالتف من حوله العلماء، لكن هذا أدى إلى انتشار الفتن فى «العراق» و«بلاد العرب» و«مِصر»، ونشاط العَلَويين فى محاولة منهم لاسترداد الخلافة.

   ويمكن تقسيم زمن حكمه إلى مدتين: الأولى ١٩٨-٢٠٤هـ (٨١٣-٨١٩م)، والثانية ٢٠٤-٢١٨هـ (٨١٩-٨٣٣م).

مدة «المأمون» الأولى

   أقام فيها «المأمون» فى مدينة «مَرْو»، وكانت الإدارة المطلقة لشُؤون الدولة بيد «الفضل بن سهل» الذى صار له نُفوذ وسلطان عظيم آنذاك، والذى يذكر بعض المؤرخين أنه قام بواجبه على أكمل وجه، فى حين يذكر آخرون أنه لم يكُن يُطلع الخليفة «المأمون» على تلك الأحداث التى تجرى فى أنحاء مملكته، وأنه سعى من أجل تعيين أقربائه وأعوانه حكامًا ووُلاة، مطلقًا لهم العِنان فى إدارة شُؤون البلاد. وأضاف المؤرخون أن «الفضل» بدأ فى إعداد عُدته لإبعاد كل من القائدين «هَرْثَمة بن أَعيَن» و«طاهر بن الحُسَين» عن «العراق»، ساعيًا لدى الخليفة «المأمون» لاستصدار أمرين يمكناه من إبعادهما بالفعل، وهو ما أدى إلى ازدياد الاضطرابات فى «العراق» واندلاع الثوْرات، فكان الأمر الأول أن.. وعن «مصر الحلوة» الحديث لا ينتهى…!

الأسقف العام رئيس المركز الثقافىّ القبطىّ الأُرثوذكسىّ

التعليقات