مبادئ – «الفلسفات والقيامة» – 15/4/2017

مبادئ – «الفلسفات والقيامة» – 15/4/2017

   

   يحتفل مَسيحيُّو العالم غدًا الأحد بـ”عيد القيامة”. و”القيامة”، يا إخوتي، هي حقيقة حاول بعضٌ أن يُنكروا وجودها، وحاول بعضٌ آخر أن يتناساها في طريق الحياة الذي يسلكه، لٰكنها ظلت تلك الحقيقة التي يواجهها البشر عندما يعبرون جسر الموت إلى ضفة الحياة الأخرى: حياة ما بعد الموت، أو الحياة الأبدية.

   إن رفض “القيامة” ليس أمرًا حديثًا بدأ مع ظهور الإلحاد في القرن الثامن عشَر ورفض بعضٍ لوجود الله ـ تبارك اسمه، بل هي اعتقاد ظهرت ملامحه منذ القدم: فعلى سبيل المثال نجد ملامح رفض القيامة والحياة الأخرى في بعض الفلسفات مثل “الفلسفة الأَبِيكُوريّة”، التي ـ مع أن مُنشئها “أَبيكُور” لم يُنكر وجود آلهة لها دَورها في خلق العالم ـ كانت تنادي بأن الموت هو نهاية الجسد والروح؛ ولهٰذا ينبغي ألا يَرهبه إنسان؛ وبذٰلك زعم أنه لا يوجد خُلود ولا حياة أخرى؛ وعلى هٰذا وضعوا من مبادئهم الأساسية: لا تخَف من الله، ولاتخَف من الموت.

   أيضًا طائفة “الصَّدُّوقيُّون”: وهي إحدى الطوائف اليهودية التي يؤمن أتباعها بالأسفار التي كتبها “موسى النبيّ” فقط، ولا يؤمنون بقيامة الأموات، ولا بالحياة الأخرى بعد الموت، مع إنكارهم وجود الملائكة والأرواح؛ وقد جادلوا السيد المسيح في أمر قيامة الأموات، محاولين أن يُثبتوا صدق اعتقادهم: “وجاء إليه قوم من الصَّدُّوقيِّين الذين يقولون ليس قيامة، وسألوه …”؛ وقد أجابهم السيد المسيح مبرهنًا لهم أنه توجد قيامة للأموات.

   في مقابل رفض القيامة، نجد محاولة لدفع الإنسان إلى أن يحيا حياته الأرضية فقط بحثًا عن سعادته ـ حسبما يتوهمون مفهومها ـ في محاولة لربط السعادة بالابتعاد عن الله وعن أيّ مسؤولية يمكن أن تقع على عاتق الإنسان إزاء أعماله وقرارته. ولم تكُن النتيجة إلا مزيدًا من البؤس والألم يجتاحان حياة البشر، وتزايدًا في الظلم الذي أطلق عليه أناس اسم: “الحرية”!! إن السعادة، يا صديقي، ليست في أن تحيا لذاتك، بل أن تمتلئ حياتك من ابتسامات وسعادة أولٰئك الذين حاولت أن تفرّح قلوبهم وتُزيل عنهم ألم العناء والشقاء؛ إنها هبة من الله لكل قلب محب متحنن رحيم.

   أمّا “القيامة”، فهي حقيقة لا يمكن التنكر لها؛ فللكون إلٰه خلقه بكل دقة ومهارة ما يزال يعجز العلم عن فهم أسرارهما، وهو إلٰه الإنسان الذي وهبه نسمة حياة لم يتمكن أحد من فَهم سرها حتى الآن. وتظل القيامة ناقوسًا يَقرَع في طرقات الحياة، مرددًا على كل عابر: ماذا فعلتَ من أجل حياتك الأبدية؟! 
نصلي إلى الله أن يهب سلامًا لأسر شهداء كنيستي مار جرجس بطنطا والمرقسية بالأسكندرية وأن يحفظظ “مِصر” والمِصريِّين ومَِنطَِقة “الشرق الأوسط” والعالم بأسره في أمن وسلام.

الأُسقف العام رئيس المركز الثقافيّ القبطيّ الأُرثوذكسيّ

التعليقات