مصر الحلوة 268 – «الخليفة المقتدر» – 31/10/2018

مصر الحلوة 268 – «الخليفة المقتدر» – 31/10/2018

   

   تحدثنا فى المقالة السابقة عن «ابن المعتز» الذى لم يستمر فى الخلافة سوى ليلة وضحاها خُلع بعدها، ثم قُتل هو وابنه وبعض من القضاة والفقهاء الذين ساندوه على خلع «المقتدر»؛ كما تحدثنا عن ضعف مدة حكم «المقتدر»، وزاد الأمورَ سوءًا أن قوة «القرامطة» ازدادت فى عصره، وحدثت الحروب على المدن وقوافل الحجاج.

   أرسل «المقتدر» الجُيوش فى محاربة «القرامطة» واحدًا تِلو الآخر، وكان من بين الذين خرجوا إليهم وحاربوهم حاكم الكوفة بجيشه، فهزمه القرامطة هزيمة نكراء ودخلوا مدينة الكوفة، وأقاموا بها ستة أيام، ناهبين الأموال والثياب، ثم تركوها.

   وفى عام 315 هـ (927م)، أرسل الخليفة قائدًا آخر لمحاربة القرامطة، لٰكنه هُزم هو الآخر منهم. وبتلك الانتصارات عظُم شأن القرامطة، وهددوا بغداد وما حولها من مدن؛ وقد استولَوا على مدينة الأنبار والجزيرة، ثم عادوا إلى الكوفة، وعدد أنصارهم آخذ فى ازدياد جدًّا.

   وعام 317هـ (929م)، سار القرامطة إلى مكة، فى موسم الحَج، ونهبوا منازل أهلها، وسلبوا أموالهم، وقتلوهم، وقلعوا الحجر الأسود، وأخذوا كسوة البيت؛ يقول الخضرى بك: «ولم يحصل فى التاريخ أن انتُهكت حرمة هٰذا البيت إلى هٰذا الحد»!! حتى إن «المهدى عبيدالله العلوىّ» لما علِم بذٰلك، كتب إلى «أبى طاهر» (رئيس القرامطة) يُنكر عليه ذٰلك، ويلومه، ويلعنه، ويقيم عليه القيامة، ويقول: (قد حققتَ على شيعتنا ودعاة دولتنا اسم الكفر والإلحاد بما فعلتَ، وإن لم تردّ على أهالى «مكة» وعلى الحجاج وغيرهم ما أخذتَ منهم، وتردّ «الحجر الأسود» إلى مكانه، وتردّ كسوة «الكعبة»، فأنا برىء منك فى الدنيا والآخرة).. وقد أعاد القرامطة «الحجر الأسود» وبعضًا من أموال أهل مكة، لٰكنّ أبا طاهر لم يتمكن من رد كسوة الكعبة وأموال الحجاج.

«المقتدر» و«الدولة البيزنطية»

   أغار الروم على أطراف الدولة العباسية عام 303هـ (915م). وفى عام 305هـ (917م)، حدث فِداء بين الدولتين، ولٰكن لم يدُم السلام طويلاً؛ إذ فى عام 313هـ (925م) رفض أهل الثُّغور دفع الأموال إلى ملك الروم؛ فشن عليهم الحرب عام 314هـ (926م) وخرّب «مليطة»، وفى العام التالى أغار الروم على مدينة «دبيل» ولم ينجحوا فى دُخولها، وبعد ذٰلك بأربع سنوات هاجم العباسيُّون بلاد الروم.

قتل «المقتدر»

   عام 317هـ (929م)، تآمر بعض رجال الدولة على خلع «المقتدر»، وبالفعل تمكنوا من ذٰلك، وأعلنوا انضمامهم إلى «القاهر» أخيه، ولٰكن قائد الجيوش العام «مؤنس المظفر» تغلب عليهم، وأعاد الخليفة إلى العرش. لكنّ خلافًا دب بين «مؤنس» ووزير «المقتدر»، فخرج «مؤنس» إلى بلاد «الموصل» واستولى عليها فقوى نفوذه، وزاد حلفاؤه، فى ذٰلك الوقت ساءت أمور بغداد، فاستدعاه الخليفة ليعاونه فى شُؤون الحكم، فقرر «مؤنس» العودة إلى العاصمة، ولٰكن قبل أن يصل إليها تغير قلب الخليفة عليه، وجهز جيشه لمحاربته، وانتصر «مؤنس» وقتل الخليفة عام 320هـ (932م)، واعتلى العرش من بعده أخوه «أبومنصور مُحمد القاهر».

   أمّا عن «الكنيسة القبطية» فى ذٰلك الزمان، فقد مرت بها بعد نياحة بطريركها (الخامس والستين) البابا ميخائيل الأول- شدة ليست بقليلة. وكما ذكرنا من قبل، فإن الكنيسة لم تتمكن من رسامة بطريرك لها بسبب وقوع منازعات كبيرة، حتى ظلت دون أبٍ بطريرك فترة طويلة، إلى أن تدخل «أنبا باخوم» أسقف طحا لدى الوالى الذى كان يقدره كثيرًا؛ فرُسّم البابا غبريال الأول على كرسىّ مارمرقس الرسول، ليصبح البطريرك السابع والخمسين فى بطاركة الإسكندرية، و… والحديث فى «مِصر الحُلوة» لا ينتهى..!

الأُسقف العام رئيس المركز الثقافى القبطى الأُرثوذكسى

التعليقات