مصر الحلوة 270 – «الناسك.. والرحوم» – 13/11/2018

مصر الحلوة 270 – «الناسك.. والرحوم» – 13/11/2018

تحدثنا فى المقالة السابقة عن «المقتدِر» وحروبه مع «القَرامطة» الذين أشاعوا الفوضى فى البلاد وسلبوا «مكة» فى موسم الحَج، ونهبوا منازل أهلها وأموالهم وقتلوهم، ثم عَلاقته بالدولة البيزنطية ومادار بينهما من حروب وأخيرًا قتله؛ ليعتلى العرش من بعده أخوه «أبومنصور مُحمد القاهر».

أمّا عن «الكنيسة القبطية» فى تلك الأيام، فقد ظلت بعد نياحة بطريركها «البابا ميخائيل الأول»، السادس والخمسين فى بطاركة الإسكندرية- دون أبٍ بطريركىّ لفترةً طويلة، إلى أن تدخل «أنبا باخوم»، أسقف طحا، لدى الوالى الذى كان يقدره كثيرًا؛ فرُسم «البابا غبريال الأول».

 

«البابا غَبريال الأول» (909- 920م)

هو السابع والخمسون فى بطاركة «الإسكندرية». فبعد نياحة «البابا ميخائيل الأول»، وقع كثير من المنازعات بين المَسيحيِّين ما أدى إلى إغلاق بعض الكنائس وتوقفت الخدمة فى باقيها؛ وظلت الحال هٰكذا فترةً طويلة إلى أن قام «أنبا باخوم» أسقف طحا بالتوسط لدى الوالى- الذى كانت تربِطه به صلات من المودة والمحبةـ لأجل سيامة بطريرك «للكنيسة القبطية»؛ فأجابه الوالى إلى طلبه، وأعطاه تصريحًا بإقامة بطريرك للكنيسة.

وقع اختيار الشعب والأساقفة والكهنة على «الأب غبريال» وتمت رسامته سنة 909م. كان ذٰلك الأب من بلدة تقع قرب «شبين الكوم» تسمى «ألميه». وفى حداثته صار راهبًا بـ«دير أنبا مكاريوس»، حيث كان محبًّا للوَحدة والانفراد والصلاة، ممتلئةً حياته بالنسك الشديد والتواضع، حتى إنه كان يستيقظ فى الليل، ويأخذ مجرفة من حديد ويلبَس ثوبًا رثًا، ويمر على دوْرات المياه بالقلالى ليغسلها وينظفها. أقام على هٰذه الحال عدة سنوات حتى نظر الله إلى تواضعه وانسحاق قلبه فرفع عنه الآلام.

أخذ «البابا غَبريال» يهتم بشُؤون الكنيسة بعد سيامته، ولم تمنعه مهام البطريركية من عباداته ونُسكياته الشخصية؛ إذ كان يقضى أغلب الأيام فى البريّة. سار على خطى سلفه «البابا ميخائيل» بفرض ضريبة على كل أسقف جديد يُرسم حتى يتمكن من دفع الرسوم المطلوبة على كنائس «الإسكندرية» التى تعهد بدفعها البطريرك السابق.

تنيح بعد أن قضَّى على الكرسى البطريركىّ 10 سنوات و9 أشهر تقريبًا، ودُفن بـ«دير أنبا مكاريوس»، بعد أن عاصر خلافة «المقتدر بن المعتضد». ثم سِيم من بعده «البابا قُزمان الثالث».

 

«البابا قُزمان الثالث» (920- 932م)

هو الثامن والخمسون فى بطاركة «الكرسى المَرقسى»، حيث سيم عام 920 م عقب نياحة «البابا غَبريال الأول»ـ وكان يُدعى باسم «قُزمان» قبل رسامته. عُرفت عن ذٰلك الأب البطريرك رحمته الجزيلة مع المساكين؛ إذ كان يوزع ما لديه عليهم، واتسمت حياته بالطهر والعفاف.

اهتم «البابا قُزمان الثالث»، برعيته فعمِل على تدبير أمورها على أكمل وجه، كما اهتم أيضًا بتشييد الكنائس. مرت أيامه فى سلام وهدوء إلا من حادثة واحدة: فقد أرسل ملك الحبشة ـ وكان كهلاً ـ إلى «البابا قُزمان الثالث» يطلب إليه رسامة مِطران قبطيّ للكنيسة هناك، وأيضًا لكى يجعله وصيًّا على ولديه اللذين كانا صغيرى السن. استجاب «البابا قزمان الثالث»، وسام «أنبا بطرس» مِطرانًا للحبشة الذى قابله الملك والشعب بالإكرام والتَّرحاب والفرح.

وكان بعد زمن أن اعتل الملك اعتلالاً شديدًا، وشعر بدنوّ أجله، فاستحضر «أنبا بطرس» وولديه؛ وعند حضورهم رفع التاج عن رأسه وقدمه إلى المطران، طالبًا منه أن يضعه على رأس من يصلح للملك من ولديه ليتوجه من بعده. وكان بعد أن تُوفى الملك، استقر رأى «أنبا بطرس» والوزراء على تتويج الابن الأصغر؛ إذ كان أصلح للملك، وذا عقل راجح ورأى سديد، و… والحديث فى «مِصر الحُلوة» لا ينتهى..!

 

الأُسقف العام رئيس المركز الثقافى القبطى الأُرثوذكسى

التعليقات