مصر الحلوة 41 – «حريـــــة الاعتقـــاد» – 2/2/2014

مصر الحلوة 41 – «حريـــــة الاعتقـــاد» – 2/2/2014

     كنا قد توقفنا عند الإمبراطور «قسطنطين» ابن «قنسطنطيوس» الذى كان يحكم المملكة الرومانية فى الغرب.
   ففى عام 306م، نصَّب الجيش «قسطنطين» إمبراطوراً على بلاد الغال وإسبانيا وبريطانيا بعد مرض والده وموته. ثم حدثت حروب أهلية بين «قسطنطين» و«مكسنتيوس»، و«لِيسِينْيوس»، حتى خلا العرش لقسطنطين ليصير حاكم الإمبراطورية الوحيد، بعد زمن من الحكم الرباعىّ.

■ الإمبراطورية البيزنطية
   اعتبر المؤرخون أن البداية الحقيقية للإمبراطورية البيزنطية فى الشرق هى بداية حكم «قسطنطين» منفردًا فى عام 323م. و«قسطنطين» أول إمبراطور رومانىّ يعترف بالمسيحية فى مرسوم التسامح الدينىّ الذى أصدره فى «ميلان» عام 313م، الذى أعلن فيه سياسة التسامح الدينىّ للمسيحيِّين. ويُعد هذا تحولاً كبيراً فى المسيحية التى شهِدت عصور اضطهاد كثيرة من الأباطرة السابقين له، كان أصعبها عصر دقلديانوس الذى يُعد أبشع عصور الاستشهاد كافة. ولم يكتفِ «قسطنطين» بالاعتراف بحق المسيحيِّين فى حرية اعتقادهم، بل يذكر بعض المؤرخين أنه وضعها تحت حماية الدولة الرومانية.

   وقد اهتم «قسطنطين» بإصلاح شؤون البلاد وحكومتها، كما اهتم بترتيب الوِلايات التابعة للدولة الرومانية، فأولى اهتماماً كبيراً بتنفيذ القانون والأحكام بعدل بين جميع رعايا الإمبراطورية.

   وقام بتقسيم البلاد إدارياً إلى أربعة أقسام، وولَّى عليها أولاده الثلاثة وابن عمه، واهتم بمتابعة إدارة شؤون البلاد كرأس لها، فانتظمت أمورها وازدهرت.

   أيضًا اهتم «قسطنطين» بترتيب أمور الجيوش وقسَّمه إلى فِرق يرأس كل منها أمير. ويذكر المؤرخون أن هذا النظام كانت له ميزته فى اهتمام كل قائد بمجموعته مما أحسن من سيطرة الإمبراطور على أمور الجيوش، إلا أنه كان له جانب آخر أشد خطورة: فبسبب كثرة الحروب الداخلية والخارجية تناقص عدد المنتظمين فى الجيوش إلى الحد الذى استُعين فيه بكثير من الغرباء فى الصفوف العسكرية، وهو ما أضر بالبلاد وأهلها بشدة.

   وكان «قسطنطين» محباً لرجال الدين المسيحىّ، فكان يعظم الأساقفة ويُجِلّهم ويحب الاجتماع إليهم. كذلك منحهم الحقوق التى تمتع بها الوثنيُّون، وأُعفوا من الضرائب. وذكر أحد المؤرخين أنه جعل يوم الأحد من كل أسبوع عيداً وعطلة من الأعمال يُصلَّى فيه فى جميع أنحاء الإمبراطورية، وهو ما استمر حتى اليوم. كذلك أمر ببناء الكنائس فى جميع ممالكه، مثل كنيسة القديس بطرس فى روما، وكنيسة المهد فى بيت لحم. وأبطل احتفالات عيد الزُّهرة وهدَّم هياكلها.

   وفى عام 326م، أرسل أمه الملكة «هيلانة» إلى القدس ومعها ثلاثة آلاف جندىّ تقريباً، حيث اكتشفت الصليب المقدس، وصنعت له غلافاً من الذهب الخالص، ثم قامت ببناء عدة كنائس هناك من بينها كنيسة القيامة.

   ومما يذكر للإمبراطور «قسطنطين» أنه عمِل على تقدم ورقىّ العلوم والفنون، وأعفى أهلهما من الرسوم والضرائب، ووهبهم جميع المزايا الموهوبة للعسكريِّين. كذلك أمر بوقف المصارعات التى كان يجرى التقاتل فيها بين البشر.

■ مدينة القسطنطينية
   أسسها عام 330م. وقد أشار أحد المؤرخين إلى أن «قسطنطين» حين دخل روما إمبراطوراً للدولة الرومانية لم يستقبله أهلها الاستقبال اللائق، وكانوا يسخرون منه لحمايته المسيحيِّين وميله إليهم، فقرر تشييد مدينة جديدة تكون مقراً له ولحكومته، فكانت القسطنطينية.

   بُنيت «القسطنطينية» على أنقاض مدينة «بيزنطة» القديمة التى أقامها بعض التجار اليونانيين وتسمَّت على اسم قائد بحرىّ يونانىّ يُدعى «بيزاس». وأصبحت مركزاً تجارياً مهماً بسبب موقعها المميز بين أوروبا وآسيا.
   و«القسطنطينية» مدينة حصينة الموقع، مثلثة الشكل، ومحصنة بحيث لا يمكن الوصول إليها براً إلا من جهة واحدة فقط. أيضًا هى نقطة اتصال بين البحرين الأسود والمتوسط، ونقطة التقاء بين آسيا وأوروبا. وكانت مطمعاً لعديد من القوى، إذ إنها كانت تُعد أعظم مدن العصور الوسطى.

   ويُعد نقل العاصمة الرومانية إلى الشرق تحولًا كبيرًا ومهماً؛ إذ إنه يجعل الإمبراطورية تتجه إلى التركُّز فى منطقة الشرق الغنىّ بموارده الاقتصادية والبشرية، ويعمل على تخفيف هجمات الجرمان البرابرة على روما من ناحية، والتصدى لغارات الفرس ضد ممتلكات الإمبراطورية من ناحية أخرى.

   وجعل «قسطنطين» العاصمة الجديدة متأهبة لتكون بديلًا عن روما من جميع الأوجه: بإنشاء مجلس للشيوخ، وتشييد الأبنية الفخمة، والقاعات، والميادين، والحدائق. كذلك بنى بها كنائس كثيرة.

   وفى المدة الأخيرة من حكم «قسطنطين»، أغار الفرس على المقاطعات الرومانية فى الشرق، فقاد الجيوش لقتالهم.

   ومات «قسطنطين» فى مدينة نِيقُومِيديا، ووُضع فى تابوت من ذهب، وحملوه إلى القسطنطينية ليُدفن هناك.

■ مِصر
   تُعد مدة الحكم البيزنطىّ فى مِصر امتداداً للحكم الرومانىّ؛ فهناك من يضمها إلى مدة الحكم الرومانىّ، وهناك من يعتبرها مدة منفصلة بسبب التغييرات الدينية الجِذرية فى مِصر آنذاك. فمع حكم الإمبراطور «قسطنطين»، حدث تحول دينى كبير فى مِصر من الديانات المِصرية القديمة إلى المسيحية، بعد نهاية عصر الاستشهاد العنيف الذى شهِده الأقباط.

   أولى «قسطنطين» اهتماماً خاصاً بمتابعة أمور مِصر حكومةً وشعبًا. وأقام رئيساً عاماً يهتم بحكم المقاطعات الرومانية فى الشرق ومتابعة أمور إدارتها، سُمِّى «كونت الشرق». إلا أنه كان هناك فصل بين السلطة المدنية وتلك العسكرية التى تتبع قائداً خاصاً يخضع للدولة الرومانية مباشرة.

   وكان يعيَّن نائب ملكىّ أو حاكم لمِصر يُسمَّى «حاكم مِصر». وجدير بالذكر أن حكام الوِلايات الأخرى كانوا يحملون لقب «والى» أو «حاكم» فقط تمييزا لمِصر عن مقاطعات الإمبراطورية الأخرى. وكان على حاكم مِصر الاهتمام بالعمليات الهندسية، وبأحوال النيل، وبملاحظة رىّ الأراضى والزراعة والإبحار فى النيل، وبنقل المحاصيل من مِصر إلى القسطنطينية.

   إلا أن الأمور بين حاكم مِصر ورؤساء الأقاليم المِصرية وحكامها وعمالها لم تكُن على ما يرام، فقد كانوا لا ينقادون إليه ويخالفونه مما أسفر عنه حالة عدم استقرار فى البلاد. ونتيجة هذه الاضطرابات، حاول الأباطرة تغيير أسماء أقاليم مِصر، وتقسيمها، وزيادة المسؤولين من أجل السيطرة على مِصر، مما أدى إلى انتشار الظلم فى الرعية، وازدياد كراهية المِصريِّين للحكومة لسوء أحوال البلاد، والضرائب الباهظة، والاضطرابات التى أثَّرت فى قدرة البلاد الإنتاجية.

   وقد كان لمجالس الشورى دور فى متابعة الإدارة العامة والإدارة المالية. واستمرت مِصر محتفظة بمكانتها الدُّولية فى مجال التبادل التِّجارى بين الشرق والغرب، كما ظلت الإسكندرية أكبر مركز صناعىّ تِجارىّ فيها.

   وأمر الإمبراطور «قسطنطين» ببناء كثير من كنائس مِصر، وإعمار ما خُرِّب منها. وذاك العصر فى مِصر تميز بأمرين مهمين:

■ أولًا: الرهبنة
   التى ظهرت حركتها فى مِصر على يد أنبا أنطونيوس أب الرهبان، ومن مِصر خرجت إلى جميع بقاع العالم.
   فالرهبنة تُعد أهم نظام مسيحىّ قدمته مِصر إلى العالم. وذكر أحد المؤرخين: «فى المسيحية لون من ألوان الزهد؛ وبذلك فإن البذور الرهبانية قد وضحت فى الكنيسة المِصرية منذ فجر تاريخها. يصارعون ضد شهوات الجسد ووساوس النفس الأمّارة بالسوء… وينبغى أن نذكر أنهم لم يحاولوا مجرد حماية أنفسهم فحسب عن طريق عزلة تنطوى على الأنانية والأَثَرة، فقد صلَّوا دون ملل من أجل الآخرين… الذين كانت صلواتهم سلاحًا فعالًا فى المعركة المريرة التى خاضتها (الكنيسة) ضد قوى الشر والظلام… وكانت شجاعة الرهبان وزهدهم فى الحياة سبباً للإعجاب بهم؛ فحذا حَذوهم آلاف من الناس، وأقبل الوافدون من أماكن نائية ـ من إيطاليا وإسبانيا وبلاد الغال ـ يريدون رؤية هؤلاء المجاهدين.. والتحدث إليهم».

   وفى تلك الفترة ظهر فى مِصر كثير من رجال الفكر المسيحىّ.

■ ثانيًا: الآداب
   ظهرت اللغة القبطية التى تُعد آخر مراحل تطور اللغة المِصرية وهى: الهيروغليفية، والهيراطيقية،
والدِّيموطيقية. وقبل نهاية القرن الرابع الميلادىّ كانت ترجمة الكتاب المقدس كلها بين أيدى المِصريِّين. كذلك تنوع الأدب القبطىّ متناوِلًا موضوعات تفسيرية للكتاب المقدس، ولاهوتية، وطقسية. ويقول أحد المؤرخين إنه بتلك الآداب: «وَجد المِصريُّون فى مرة أولى من القرن الثالث قبل الميلاد متنفساً للتعبير عن مشاعرهم. وبذلك، أكسبت الرهبنة مع اللغة القبطية الكنيسة المصرية طابعاً قومياً قوياً».

مجمع نيقية 325م
   وكان لكنيسة الإسكندرية دور رائد فى المحافظة على الإيمان حين حدثت خلافات وانقسامات فى أمور العقيدة، وهو ما دعا الإمبراطور «قسطنطين» إلى عقد مجمع مسكونى فى مدينة نيقية عام 325م لمناقشتها. ولعِبت كنيسة الإسكندرية دوراً كبيراً فى ذاك المجمع بحضور بطريرك الإسكندرية البابا «ألِكسندروس» (الـ19 فى باباوات الإسكندرية)، وتلميذه الشماس «أثناسيوس» الذى صار فيما بعد خليفة للبابا ألكسندروس. و… وعن «مصر الحلوة» الحديث لا ينتهى..!

الأسقف العام ورئيس المركز الثقافىّ القبطىّ الأرثوذكسىّ

التعليقات