مصر الحلوة 40 – «ثورة 25 يناير» – 26/1/2014

مصر الحلوة 40 – «ثورة 25 يناير» – 26/1/2014

«لا جـديـد فـى مِصــر، فقــد صنــع المِصـريون التـاريخ كالعادة»، كلمات نطَق بها رئيس وزراء إيطاليا «سيلفيو برليسكونى» عقب اندلاع ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011 م. نعم إن البشر هم صُناع التاريخ، ومِصر صاحبة أقدم تاريخ خط شعبها أزهى صفحات التاريخ البشرى وأكثرها بهاءً. إنهم أصحاب أول حضارة عُرفت، وأول دولة مركزية أُسست، وأول تقويم عُرف، وأول كتابة اختُرعت. إنهم من أبهروا العالم فى علوم: الهندسة، والعمارة، والطب، والتحنيط.

والثوْرات والانتفاضات ليست بالغريبة على المِصرىّ منذ القدم، فهو الشعب الذى يأبى الظلم، ويتنسم الحرية. وقد يعتقد البعض أنه شعب اعتاد السلبية وعدم خوض المعارك، إلا أنك تجده فى اللحظة الحاسمة والفارقة يهِبّ كرجل واحد صانعًا ما يُدهِش المسكونة كلها. فقد وعى هذه الحقيقة علماء الحملة الفرنسية ودوَّنوها فى كتاب «وصف مِصر» قائلين: «المِصرى خجول بطبعه، وهو يتفادى الخطر بقدر ما يستطيع، لٰكنه ما إن يجد نفسه فى خطر بالرغم من حَيطته إلا ويُبدى همة ما كنت تظَن فى البداية أنها لديه، وليس ما يساوى رباطة جأشه، وفى نفس الوقت تواكله.

ولقد واتتنا الفرصة لتسجيل عدة ملاحظات عدة مرات أثناء حملتنا، وهو ما يؤكد ما سبق أن
قلناه من أن مساوئ الحكم سوف تؤدى بسهولة فائقة إلى أن تُرد إلى هذا الشعب الفضائل التى فقدها، بل التى لا يظن هو نفسه أنها كامنة فيه»، فثورته بدأت فى يناير 2011 م، واستُكملت فى الـ30 من يونيو 2013م.

■ معنى كلمة «ثورة»:
تتعدد الثوْرات فى مختلف المجالات، فهناك الثورة الصناعية، أو الزراعية … إلخ. إلا أننا هنا بصدد الثورة السياسية. ويُعرِّف المعجم الوسيط كلمة «الثورة» بأنها تغيير أساسىّ فى الأوضاع السياسية والاجتماعية يقوم به الشعب فى دولة ما. وثوْرات الشعوب هى انتفاضة يقوم بها الشعب ضد الظلم والقهر والاستبداد ومن أجل التغيير والسيادة الوطنية.

وفى معجم اللغة العربية المعاصر نجد أن الثورة السياسية هى: اندفاع عنيف من جماهير
الشعب نحو تغيير الأوضاع السياسية والاجتماعية تغييرًا أساسيًّا. فالثورة تشمل تغيير وتبديل نظام موجود بنظام آخر يُخرج الشعب من معاناته. وهٰذا التغيير يتسم بالسرعة والجِذرية فى مختلف جوانب الحياة، وبخاصة السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وقد تكون الثورة «دموية» يراق فيها الدماء مثل الثورة الفرنسية، أو ثورة «بيضاء» من دون إراقة الدماء، كالثورة المِصرية فى 1952م.

ومن هنا نجد أن للثورة جانبين: قديم تريد استئصاله بما يحوى من ظلم وقهر وفساد، وجديد ينطوى على ما تريد بناءه من حرية وديمقراطية وعدل ومساواة. ويكون ثمن هذا دماء أبطال تسفَك، وشعب يقدم كل ما لديه من أجل ما يحلُم به من حياة كريمة.

■ تاريخ مصرى مشرف:
ويحفِل التاريخ الحديث لمِصر الحُلوة بصور مشرفة مضيئة لنضال شعبها ضد كل استبداد، فقد ثار المِصريون على نابُليون والاحتلال الفرنسىّ مرتين من 1798م حتى رحيلهم فى 1801م. ومع المعاناة والقسوة التى لاقاها الشعب من المستعمر، إلا أن نضاله لم يتوقف. ففى مايو 1805م، كانت هناك ثلاث قوًى تتصارع فى مِصر هى: العثمانيون، والمماليك والإنجليز.

وكان الحكم آنذاك يتحدد بفرمان من الدولة العثمانية التى عيَّنت «خورشيد باشا» واليًا على مِصر. إلا أن الإرادة الشعبية ممثلةً فى العلماء والمشايخ بقيادة السيد «عمر مكرم» رأت أن «مُحمد على» هو الأفضل فى إدارة شؤون البلاد، فقاموا بتوليته الحكم متحدين القوى العظمى الثلاث، ومجبرين
السلطان العثمانى على إصدار فرمان بتعيين «مُحمد على» واليا على البلاد. وهٰكذا انتصرت الإرادة المِصرية فى اختيار حاكمها فى أول مرة فى العصر الحديث.

وفى 1881م حين ازداد الفساد والتدخل الأجنبى فى البلاد، قاد «أحمد عرابى» المقاومة والتظاهرات. ومع نتائج هذه الانتفاضات الثورية من احتلال الإنجليز مِصر، إلا أن الشعب لم يتوقف عن النضال، فقد استكمل المسيرة القائد «سعد زغلول» حتى نفته بريطانيا هو وثلاثة وفديِّين آخرين فى 1919م. فاندلعت شرارة الثورة التى بدأت فى القاهرة، ثم انتشرت فى أنحاء البلاد كافة.

وقد تميزت هٰذه التظاهرات: بمشاركة جميع طبقات الشعب فيها عمالًا، وفلاحين، وطلابًا. وأيضًا ظهر فيها التلاحم الحقيقى للشعب الواحد بين المسلمين والمسيحيِّين. كذٰلك لم تقف المرأة مكتوفة الأيدى عند احتياج الوطن إليها، بل شاركت إلى جانب الرجل، مما أدى إلى الضغط على بريطانيا للإفراج عن الزعماء المنفيِّين.

وقد تلى هذا ثورة الضباط الأحرار فى الـ23 من يوليو 1952م، التى أودت بالنظام الملكىّ، لتدْخل مِصر عصرًا جديدًا من الجُمهورية. وقد طالبت الثورة بالاستقلال وجلاء القوات البريطانية عن البلاد، بالإضافة إلى تحسين الأوضاع الاقتصادية فى المجتمع المِصرى، وإقامة عدالة اجتماعية وحياة ديمقراطية. وقد دعم السواد الأعظم من المِصريِّين هٰذه الثورة.

■ ثورة «25 يناير»:
شهِدت بداية 2011 م كثيرًا من الأحداث التى سببت احتقانًا شديدًا بين الشعب والشباب خاصة، بدأ من خلال شبكة التواصل الاجتماعى فى الترتيب والتنسيق للتظاهرات. إلى أن اندلعت الثورة بسبب: معاملة المواطنين بأسلوب مهين لكرامتهم، وتفشى الفساد فى قطاعات الدولة، مما أدى إلى سوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

وأدت انتخابات مجلس الشعب فى 2010 م إلى زيادة الاحتقان. وكانت المطالب: حياة كريمة، حرية، عدالة اجتماعية. وقد تنحى الرئيس الأسبق عن سُدة الحكم تاركًا شؤون البلاد للمجلس العسكرى.

■ ثورة الشعب:
فى تاريخ الثورات المِصرية السابقة كانت الشرارة تبدأ من الوُجهاء والعلماء، أو من الجيش، ثم يأتى دعم الشعب. إلا أن الوضع قد اختلف فى هذه الثورة، فقد بدأها الشباب، وانضم إليهم جميع فئات الشعب، ثم ساندها الجيش.
وقد تحلى الشباب بالجُرأة والشجاعة والإصرار على تحقيق مطالبهم، والتف الشعب حولهم لدعم الثورة. وأعاد التاريخ نفسه ليُثْبت أصالة الشعب وتوحده، فصلى المسلمون فى الميدان يحوطهم المسيحيُّون فى مشهد يُحفر فى ذاكرة التاريخ. والشعب المِصرى الذى يذوب حبًا فى تراب أراضيه تمرس على التضحيات والبذل والعطاء طيلة تاريخه العريق.
ولا تتعجب، فإن مَن صنع العجائب على أرضه، ومن وصَل إلى أسرار علمية ما زال العالم يجهل كثيرًا منها- لا يستطيع إلا أن يقدِّم مزيدًا ومزيدًا من العجائب. وأصبح ميدان التحرير رمزًا للحرية، وتكلل بوضع حجر أساس النُصْب التَذكارىّ تخليداً لذكرى شهدائه.

■ ثورة يرقبها العالم:
لقد كانت أصداء ثورة يناير تُسمع وتُتابَع باهتمام شديد من دول العالم كافة، فلقد وقف العالم بأسره موجِّهًا أنظاره إلى مِصر والمِصريين لمتابعة ما يدور على الأراضى المِصرية، ليُذهِل الشعب المِصرى كعادته الجميع، وليقف العالم مذهولًا بشعب أراد الحياة فاقتنصها! وكما قال أبو القاسم الشابّىّ فى قصيدته:

إذا الشـــعبُ يومًــا أرادَ الحيــــــــاةَ فــلا بــدَّ أن يســتجيبَ القـ ـدَرْ

ولا بــــدَّ لليـــلِ أن يَنجــــــــــــــــلِى ولا بــــدّ للقيـــدِ أن ينكسِــــــرْ

وأُعْلِــنَ فــى الكـون: أنّ الطمـوحَ لهيـــبُ الحيــاةِ ورُوحُ الظفَــرْ

إذا طمَحَـــتْ للحيـــاةِ النفــــــــوسُ فــلا بــدَّ أنْ يســتجيبَ القــــدَرْ

■ وأخيرًا:

إن ثورة «25 يناير» كانت عودة لتلاحم أطياف الشعب وتكاتفها فى ملحمة وطنية رائعة، آن لها أن تستمر. فنحن بحاجة إلى كل عملٍ وفكر إنسان على أرض الوطن، كـلٌّ يجِدّ بإخلاص فى مجاله لاستكمال المسيرة، ولرفعة الوطن وعزته.

فمِصر وطن لكل المِصريِّين يستظل تحت سمائها ويَشبَع من خيراتها الجميع. العدل طريقها، والكل
متساوٍ فيما عليه من واجبات وما له من حقوق. ونثق جميعًا بأن المِصريِّين قادرون على تخطى الصعاب. وأختم بكلمات الأديب المِصرى المبدع توفيق الحكيم، فى كتابه «عودة الروح»، فى حديث بين عالمَى آثار، أحدهما فرنسى، والآخر إنجليزى، فيقول العالم الفرنسى: إن هذا الشعب الذى تحسَبه جاهلًا ليعْلم أشياء كثيرة، يعْلمها بقلبه لا بعقله! إن الحكمة العليا فى دمه، ولا يعْلم! والقوة فى نفسه، ولا يعْلم! هٰذا شعب قديم: جِئ بفلاح من هؤلاء، وأخرِج قلبه، تجدْ فيه رواسب عشرة آلاف سنة، من تجارب ومعرفة رسَب بعضها فوق بعض، وهو لا يدرى! نعم هو يجهل ذٰلك، ولٰكنْ هناك لحظات حرجة تخرج فيها هٰذه المعرفة، وهذه التجارب، فتُسعِفه، وهو لا يعلم من أين جاءته. هٰذا ما يفسر لناـ نحن الأوروبيِّين- تلك اللحظات من التاريخ التى نرى فيها مِصر تَطفُر طفرة مدهشة فى قليل من الوقت! وتأتى بعمل عُجاب فى طرفة عين! لا تتعجب من هذا الشعب المتماسك المتجانس المستعذب والمستعد للتضحية متى أتى بمعجزة أخرى غير الهرم. وإنْ أتى بلد بمعجزة الهرم، فهو لن يعجز عن الإتيان بمعجزة أخرى أو معجزات باهرة تأخذ بالألباب!. وعن «مصر الحلوة» الحديث لا ينتهى…!

الأسقف العام ورئيس المركز الثقافىّ القبطىّ الأرثوذكسىّ

التعليقات