مصر الحلوة 24 – «الجيـش المصــري عـلامــة مضيئــة» – 6/10/2013

مصر الحلوة 24 – «الجيـش المصــري عـلامــة مضيئــة» – 6/10/2013

في الوقت الذي قرر التاريخ أن يبدأ في خط أولى صفحاته، كان الجيش المِصريّ علامة مضيئة في صفحاته. فكل جندي فيه حمَل مِصر في فكره وقلبه؛ فحملته مصر بدورها في ذاكرة لا تُنسى.

وتُعد الذكرى الأربعون لنصر أكتوبر ذكرى خاصة؛ إذ أن للرقْم “40″ دلالات خاصة؛ منها أنه رقم مقدس؛ لأن موسى النبي صام أربعين يومًا قبل استلام الشريعة المكتوبة بأُصبِع الله، وإيليا النبي حين ما هرب من وجه آخاب الملك الظالم صام 40 يومًا ثم بعدها أمكنه التحدث إلى الله. والجيش المصري بعد 40 عامًا احتفظ بمِصر وسلامتها!

ولذا ونحن نحتفل بذكرى نصر أكتوبر 1973م، نتقدم بالتهنئة إلى كل مِصريّ يفتخر بجيشه الأصيل العريق الذي يبذل الجهد والعرق والدماء في سبيل وطنه، كما نتقدم بالتهنئة إلى كل قادة الجيش والضباط وصف الضباط والجنود بقيادة الفريق الأول محمد عبد الفتاح السيسي القائد العام للقوات المسلحة المِصرية وزير الدفاع والإنتاج الحربيّ.

والجيش المِصرى هو أقدم جيش نظاميّ عُرف فى العالم، واتصف بأنه مدرسة للقيم الإنسانية النبيلة فى أوقات السلم كما هو في الحرب. وعلى مدى تاريخه سجَّل جيش مِصر انتصارات عظيمة فى معارك حاسمة خاضها رجالاته؛ فجذبوا أنظار التاريخ العالمي إلى عبقرية المِصري القتالية ونفسه السامية التي تترفع عن الحياة فداء تراب بلاده.

مِحطات من ذاكرة التاريخ
كان فِرعَون مِصر وقت الحرب يلجأ إلى طلب الجنود من حكام أقاليم مِصر مؤلفًا جيشًا بقيادة يُعيِّنها هو لإنجاز مهمة محددة تنتهي بانتهائها.

الجيش وتوحيد البلاد وحمايتها
يقف بنا قطار التاريخ عند أولى محطات بطولات الجيش المصري؛ في حروبه لتوحيد البلاد تحت قيادة الملك الفِرعَوني “مينا” موحد قطرَي مِصر البحْري والقبلي في 3200 ق.م . وقد حرِص ملوك مِصر على تسجيل المعارك التي خاضوها في سبيل بلادهم وانتصاراتهم على جدران المعابد وعلى المسلات؛ حتى إننا نرى توحيد مِصر منقوشًا على حجر لوحة “نارمَر”. وقد قام الجيش بأروع أدواره الوطنية لتحقيق وَِحدة البلاد في دولة مِصرية مركزية.

ويأتي الملك “زوسَر” مؤسس الأسرة الفِرعَونية الثالثة ليقوم بحماية حدود مِصر من غارات البدو؛ من خلال تقسيم حدود مِصر إلى مناطق أطلق عليها اسم “أبواب المملكة”؛ وبنى في كل منطقة حصنًا لحمايتها، كما ألَّف جيشًا ثابتًا متدربًا بقيادته.

طرْد الهكسوس من مِصر
ويأخذنا قطار التاريخ لنتوقف عند محطة معركة حاسمة للجيش المصري مع بعض القبائل الآسيوية قد تسللت عبر سيناء مستوطِنةً الدلتا عُرفت باسْم “الهكسوس”، مستوليةً على مدينة “أواريس” وجعلتها عاصمة لها، ثم استولت أيضًا على مدينة “ممفيس” لتحكم البلاد أول مرة في تاريخها ـ زُهاء المائة والخمسين عامًا.

أمّا الفراعنة فقد تركزوا في طيبة استعدادًا للتسلح من أجل تحرير البلاد. ومن الأسرة السابعة عشْرة ـ في عهد الملك “سقنن رع الثاني” ـ حين بدأت طيبة تقوى ـ دارت رحى الحروب مع الهكسوس. وقد حقق “سقنن رع الثاني” بعض النجاح في صراعه مع الهكسوس، إِلا أنه لم يعِش طويلًا وخلفه على عرش طيبة ابنه الأكبر “كاموس” الذي تابع الصراع لطرد الهكسوس. وقد تم القضاء على الهكسوس نهائيًا في مِصر على يد “أحمُس الأول” الذي قام بطردهم من البلاد وتتبعهم حتى سوريا.

معركة مَجِدّو
كان الملك “تُحتُمس الثالث” رجلًا عسكريًا عبقريًا فذًّا؛ يتمتع بشخصية عسكرية صُلبة لم يكُن لها مثيل ـ اكتسبها من مواظبته على التدريبات العسكرية ـ حتى إنه لُقب “بـأبي الإمبراطوريات”، و”أول إمبراطور في التاريخ”. ارتبط اسمه بمعركة “مَجِدّو” التي استخدم فيها خُططًا عسكرية ومناورات لم تكُن معروفة من قبل؛ مثل الهجوم المباغت الذي يبُثّ الاضطراب في العدو ويُفقده توازنه ويُشِلّ حركته محققًا به النصر الساحق. ويذكر أحد المؤرخين عن مِصر في عهده: [لا توجد قوة في الأرض تستطيع أن تواجه الجيش المِصريّ الذي نال تدريبًا عسكريًا فائقًا وفاز بقيادة ملك عبقريّ هو فِرعَون مِصر العظيم تُحتُمس الثالث].

معركة قادش
وتستوقفنا محطة مضيئة للجيش المِصري بأنوارها المتلألئة؛ عند معركة “قادش” التي قادها الملك “رمسيس الثاني” ضد الحَيثيِّين، مستهدفًا القضاء على التحالفات الآسيوية التي تهدد أمن مِصر وسلامتها. وقد حول فيها الملك “رمسيس الثاني” الهزيمة إلى نصر بفضل جيشها العظيم، ووُقِّعت أولى معاهدات السلام في تاريخ العالم بين الجيشين المصريّ المنتصر والحَيثيّ.

معركة رفح
وتأتي محطة الحكم البَطلَيميّ لمِصر ليُثبت الجندي المِصريّ بسالته الفائقة؛ فقد قام “بَطلَيموس الرابع” بإعداد الجيش لمحاربة “أنتيكوس” الذي أراد الإغارة على مِصر. كما قام بتدريب مواطنين مِصريين على فنون الحرب وحمل السلاح بحسب النظم الحربية الإغريقية بعد فترة أهملوا فيها الجنديّ المِصريّ. وتقابل الجيشان عند رفح وبدأت المعركة، وكُسر الجَناح الأيسر للجيش البَطلَيميّ ـ وكان من المرتزقة. فما كان من “بطليموس” إلا أن عاد إلى قلب الجيش ليقوده بنفسه؛ لتظهر قدرة المقاتل المِصري ابن النيل الذي استطاع تشتيت شمل جيوش العدو محققًا المجد لشعبه. وبهٰذا النصر الذي صنعته الأيادي المِصرية بدأ الجنديّ المِصريّ يشعُر بعزته وقدرته وصلابته. وهنا أقتبس كلمات المؤرخ “سليم حسن” في موسوعته التاريخية: [منذ الانتصار الذي ناله الجيش المصري في رفح، أخذ العنصر الوطنيّ المِصريّ يُثبت وجوده على صفحات التاريخ أمام الإغريق].

معركة حِطِّين
ثم تجذِب أنظارنا صورةٌ مشرقة أخرى من بطولات الجيش المِصري الذي ينبري للدفاع ليس عن مِصر فقط بل على أي عُدوان موجَّه إلى المنطقة العربية. فهناك في معركة “حِطِّين” يقوم الجيش المِصريّ بدور بارز في استعادة بيت المَقدِس من احتلال الفرنجة تحت قيادة البطل القائد “صلاح الدين الأيوبيّ”. لقد كان الجيش المِصريّ هو أساس قوة الجيوش العربية.

معركة المنصورة
وحين يُدرك العدو قوة مِصر لا يجد سبيلًا إلى النصر إلا بالانتصار عليها أولًا، فكانت “معركة المنصورة” هي إحدى هٰذه المحاولات للاعتداء على مِصر. فقدُم الملك الفرنسي “لويس التاسع” بأسطوله ليغزو مِصر، وما أن رست سفنه حتى قام المِصريون بمهاجمة معاقلهم ليخسَروا خَسارة فادحة. فنزلت القوات الفرنسية في دِمياط متجهة إلى القاهرة. وفي المنصورة تلاحمت القوات المصرية بقيادة “أقطاي” بأبناء الوطن لتُواجه معًا العدو في أشرس المعارك ليتكبد فيها خسائر فادحة. ويهرب “لويس التاسع” إلى دِمياط، إلا أنه يُؤسَر هناك.

معركة عين جالوت
قام “چنكيز خان” ـ ذٰلك الطاغية الطاغوت ـ بفتوحات دامية وصلت إلى قلب أوروبا. ثم تولى الحكم من بعده ابنه الذي اجتاح بجيوشه إيران، ثم بغداد وغزة، ليصل إلى مداخل مِصر مهددًا سلطان مِصر “قطز” الذي قبِل تحدي التتار له، ليشهد موقع “عين جالوت” أسطورة مِصرية جديدة كُتبت بيد أبطال جيشها. ومع مهارة التتاريين العسكرية، إلا أن مهارة الجيش المِصريّ ـ الممزوجة بحكمة قادة وشجاعةٍ متفردتين ـ نابعتين من حب عميق لمِصر ـ قد طرحتها تلك أرضًا لتُصبح مِصر أول دولة تهزم التتار.

جيش مصر في العصر الحديث
معركة أكتوبر
وتتوالى الصفحات والمحطات المضيئة في تاريخ الجيش المِصري، فيأبى الاستسلام للهزيمة في 1967م، والتي أدت إلى احتلال سيناء. فما هي إلا سنون معدودات، وترُد مِصر وبقوة على إسرائيل عام 1973م لاسترداد أرضها.

وقد بدأت الحرب بهجوم مفاجئ للجيش المِصري على القوات الإسرائيلية في سيناء ـ وفي هَضْبة الجولان من الجيش السوريّ ـ ليُرسم فجر جديد للحرية بفضل بسالة الجيش المِصري.

ففي تمام الساعة 14:00 من بعد ظهر السبت السادس من أكتوبر عام 1973م ـ الموافق العاشر من رمضان 1393هـ ـ الموافق عيد الغفران اليهوديّ ـ قامت القوات الجوية المصرية بضربة جوية مباغتة على الأهداف الإسرائيلية خلف قناة السويس مستهدفةً: مِحطات التشويش والإعاقة، وبطاريات الدفاع الجويّ، وتجمعات الأفراد، والمدرعات، والدبابات، والمدفعية، والنقاط الحصينة في خط بارليف، ومصافي البترول، ومخازن الذخيرة. وعبَر الجنود المصريون قناة السويس، في الوقت الذي كان سلاح المهندسين المِصريّ يفتح ثُغرات في الساتر الترابى باستخدام خراطيم مياه شديدة الاندفاع.

وقد كان من أهم نتائج الحرب استرداد مصر سيادتها الكاملة على قناة السويس ، واسترداد شبه جزيرة سيناء، وكذٰلك تحطم أسطورة “الجيش الإسرائيليّ الذي لا يُقهر” و”خط بارليف الذي لا يٌقهر”. وقد عمِل وزير الخارجية الأمريكيّ “هنري كيسنچر” وسيطًا بين الجانبين، ووصل إلى اتفاقية هدنة، ثم اتفاقية سلام كامل وشامل في “كامب ديفيد” 1979م.

30 يونيـــو
لم يتوقف الجيش المصريّ عن مساندة شعبه والقيام بدوره البطوليّ في إعلاء إرادته. وجاء الثلاثون من يونيو 2013م ليهُبّ الشعب معلنًا إرادته في استرداد السلطة من الرئيس محمد مرسي. وقد وقف الجيش موقفًا حياديًا حتى يتسنى له أن يرى رغبة الشعب الحقيقية معتبرًا أنها “أمر وتفويض إليه بالتصرف”؛ وذٰلك حين ما تظاهر أكثر من 33 مليون مصريّ مطالبًا بالتغيير. فانحازت القوات المسلحة بقيادة قائدها العام وزير الدفاع الفريق الأول “محمد عبد الفتاح السيسي” إلى تلبية إرادة الشعب، حاميةً أبناء الوطن، متحملةً كل المسؤولية الملقاة على عاتقها من أجل الوطن. وهٰكذا قدَّم الجيش ـ وما يزال ـ درسًا جديدًا إلى العالم في الوطنية وكيف تكون.

دروس من أكتوبر العظيم

وأكتوبر العظيم يقدم لنا دروسًا تُحفر على تاريخ الزمن، ففيه ظهر إيمان المصريّ وقوته في الدفاع عن حقه ووطنه. فمع هبوب رياح كبوة يونيو 1967مـ وما تلاها من عواصف، إلا أن نصر أكتوبر قدَّم إلينا صورة حقيقية لعدم يأس الجندي المصريّ ومثابرته في استعادة حرية وطنه. إنها رسالة لكل مِصري: “لا تيأس”. فهناك خلف الغيمة شمس ستُشرق حتمًا.

أيضًا التحدي ـ تحدي المستحيل ـ هو سمة المِصريّ الحقيقيّ؛ فإن كان هناك خط لا يُقهر، وجيش لا يٌقهر، وأحداث لا تُقهر، و … و … إلخ لا تقهر، فإنه يوجد أيضًا المِصريّ الذي لا يُقهر!

ثِق أيها المِصريّ: إنك تستطيع أن تقهر ما تواجهه من صعاب، بل وما يُعَدّ مستحيلًا؛ عندما تستلهم قوتك من تاريخ مِصر و… و هي تخاطبك في حديث لا ينتهي … !

الأسقف العام ورئيس المركز الثقافيّ القبطيّ الأرثوذكسيّ

التعليقات