مصر الحلوة 98 – «حقناً للدماء» – 15/3/2015

مصر الحلوة 98 – «حقناً للدماء» – 15/3/2015

   تحدثنا فى المقالة السابقة عن وصف «عمرو بن العاص» لمِصر ومدينة «الإسكندرية» عند فتحهما، وتولى «عبدالله بن سعد بن أبى سرح» وِلاية مِصر، وقيام ثورة «الإسكندرية» وإرسال إمبراطور الروم لأسطول عظيم بقيادة «مانويل» لأجل استعادتها، وأنها فُتحت مرة أخرى على يد «عمرو بن العاص» فى أكتوبر 645م. ثم تحدثنا عن رعاية البابا «بنيامين الأول» لشعبه بعد عودته وحتى نياحته.

   وُلى «عبدالله بن سعد بن أبى سرح» حاكمًا على مِصر مرة أخرى بعد السيطرة على مدينة «الإسكندرية» وطرد الروم منها، وذكر المؤرخون أنه فى السنة العاشرة من حكمه حدثت أول معركة بحْرية ضد العرب، وكانت بين سفن الروم والعرب غرب «الإسكندرية»، أُطلق عليها «معركة ذات الصوارى»، بسبب كثرة تشابك السفن معًا، حيث هُزم إمبراطور الروم «قُنسطنُس الثانى»، وكان ذلك عام 654/655م وَفقاً لبعض المؤرخين. وقد شهِد أيضًا عام 654م بداية ثورة العرب فى مِصر ضد حكم الخليفة «عثمان بن عفان».

   وفى عام 655م، انتشرت شرارة الثورة فى «البصرة»، و«الكوفة»، ومِصر، حتى وصلت إلى «المدينة»، وفى تلك الأثناء، توجه «عبدالله بن أبى سرح» حاكم مِصر للقاء الخليفة «عثمان»، ووضع مكانه «عُقبة بن عامر» لتدبير شؤون البلاد إلى حين عودته. وما إن غادر «عبدالله»، حتى قامت ثورة بقيادة «محمد بن أبى حُذيفة» أخرجت «عُقبة» من مِصر، الذى دعى إلى خلع الخليفة «عثمان». وعندما وصلت أخبار الثورة إلى «عبدالله»، قرر العودة إلى مِصر، لكنه لم يستطِع دخولها إذ تصدَوا له وقاتلوه ما أدى إلى تراجعه نحو «فلسطين».

   وشهِد عام 656م مقتل الخليفة «عثمان بن عفان» فى السابع عشرَ من يونيو، بعد أن رفض التنازل عن الخلافة، وتولى أمور الخلافة من بعده «على بن أبى طالب» بعد أن بايعه أغلب الصحابة فى «المدينة». إلا أن «بنى أمية» رفضوا مبايعته، وازداد هذا الأمر سوءًا، وبدأت الفُرقة تدِب بين صفوف العرب عندما أمر الخليفة «على بن أبى طالب» بعزل جميع الوُلاة الذين ولاهم «عثمان». فما كان من «معاوية بن أبى سفيان» إلا أن رفض امتثال أمر الخليفة بعزله من الشام، وحدث الانقسام. كذلك عاصرت مِصر فى ذلك العام محاربات وقتالًا شديدًا بين فريق «محمد بن أبى حُذيفة» المؤيد للخليفة، وفريق «معاوية بن أبى سفيان» الذى أخذ على عاتقه أمر الانتقام لمقتل الخليفة «عثمان»، انتصر فيها فريق «ابن أبى حُذيفة»، حتى حضر «معاوية» إلى مِصر واتفق على ترك الحرب.

   وفى عام 657م، أرسل الخليفة «على بن أبى طالب» حاكمًا على مِصر يدعى «قيس بن سعد بن عبادة» الذى استطاع أن يكسب تدعيم مِصر لخلافة «على بن أبى طالب»، وهو ما أشعر «معاوية» بهذا الخطر الداهم فنجح فى الإيقاع بين الخليفة و«قيس» فاستُبعد بعد أن تولى حكم مِصر مدة لم تتجاوز بضعة أشهر قليلة. ثم حكم مِصر «مُحمد بن أبى بكر»، ثم «الأشتر النخعى» الذى دُس له السم فمات وهو على أبواب مِصر قبل أن يحكمها. كذلك شهِد هذا العام معركة من أهم المعارك الحربية: موقعة «صفين»، حيث تقاتلت جيوش العراق بقيادة الخليفة «على بن أبى طالب» وجيوش الشام بقيادة «معاوية بن أبى سفيان».

   وكادت جيوش «معاوية» تُهزم حتى أشار عليه «عمرو بن العاص» برفع المصاحف والاحتكام إلى القرآن حقنًا للدماء. فى بادئ الأمر رفض «على» وقف القتال، مشيرًا إلى أن هذا الأمر ما هو إلا خديعة، وقال: «إنما هى كلمة حق أُريد بها باطل»، لكنّ أكثر مناصريه أصروا على وقف القتال فاستجاب لهم. وفى التحكيم، تمكن «عمرو بن العاص» من خداع «على بن موسى الأشعرى»، فقد اتفقا على ترك أمر اختيار الخليفة للمسلمين بعد خلع كل من «على» و«معاوية»، وقد نفّذ «الأشعرى» اتفاقه فى حين أن «عمرًا» خلع «عليًا» وثبّت «معاوية».

    وفى عام 658م، عاد «عمرو بن العاص» إلى تولى حكم مِصر مرة ثانية من قبل «معاوية»، ثم انتزع حكمها «مُحمد بن أبى بكر الصديق». وفى عام 659م، تُوفى البابا «بنيامين» الثامن والثلاثون فى بطاركة «الإسكندرية».

   وفى عام 660م، قُتل «على بن أبى طالب» بعد أن اتفق ثلاثة من الخوارج على قتله هو و«معاوية» و«عمرو بن العاص»، وقد نجح منهم الذى كان مسؤولاً عن قتل «على» فى حين أن فشِل الاثنان الآخران فى مُهمتهما. وقد بُويِع الإمام «الحسن بن على» بعد موت والده. وفى عام 661م، اجتمعت الأمة على أن يكون «معاوية بن أبى سفيان» هو الخليفة، لذلك سُمى ذلك العام بـ«عام الجماعة». ثم تقاتل «الحسن» و«معاوية»، إلا أن «الحسن» تنازل عن الخلافة لـ«معاوية» حقنًا للدماء.

   وفى مِصر، استمرت وِلاية «عمرو بن العاص» بعد انتقال الخلافة إلى البيت الأُموى ثلاث سنوات، ثم تُوفى عام 664م، وكان الجالس على كرسى كنيسة الإسكندرية آنذاك هو البابا «أغاثو» التاسع والثلاثين فى بطاركة الإسكندرية.

البابا «أغاثو»
   تولى رئاسة كرسى «الإسكندرية» البابا «أغاثو» من بعد مُعلمه «البابا بنيامين الأول»، وقد عاصر العام الأخير من خلافة «على بن أبى طالب» ومن بعده خلفاء الدولة الأُموية. وفى مدة رئاسته، تعرض قبط مِصر إلى مضايقات من رجل يُدعى «ثيؤدوسيوس» من الروم، ذهب إلى الخليفة «يزيد بن معاوية» ليأخذ منه بالخداع والمكر أمرًا بالتسلط على شعب «الإسكندرية» و«مريوط». وضايق «ثيؤدوسيوس» البابا «أغاثو» كثيرًا جدًا، وكان يسعى لقتله! حتى إنه أوصى أتباعه: «إذا رأيتم بابا الأُرثوذكسيِّين خارجًا ليلًا أو نهارًا، ارجُموه بالحجارة، واقتُلوه، وأنا المجاوب عنه». فقد كان يسعى لأن يكون بطريركًا عوضًا منه. فحدث أنه بعد موت البابا «أغاثو» فى عام 677م، أن أسرع «ثيؤدوسيوس» وأغلق أبواب الكاتدرائية وختمها بالشمع الأحمر. إلا أن القبط طلبوا معونة والى «سخا» المسلم الذى ساندهم ورفع الظلم عنهم.

الدولة الأُُموية
   حكم مِصر عدد كبير من الوُلاة التابعين للدولة الأُموية فى المدة من 662- 750م. وقد اهتم «معاوية بن أبى سفيان» فى عهده بالفتوحات، وبخاصة مع الروم فى شَمال أفريقيا، والجبهات البحْرية، وفى «سجستان»، و«خراسان»، وبلاد ما وراء النهر. وتمكن من استعادة «أرمينيا» التى فقدها العرب فى أيام الفتنة، لكنهم خسَِروها فيما بعد. وقد حاول «معاوية» فتح القسطنطينية مرتين، إلا أنه لم يتمكن من ذلك. كذلك نقل العاصمة من «الكوفة» إلى «دمشق»، بعد أن نُقلت من «المدينة» إلى «الكوفة» فى عهد الخليفة «على بن أبى طالب».
ويصف لنا أ. د. «حسن إبراهيم حسن» تلك الحِقبة فيقول: «وتعاقب على هذه البلاد كثير من الوُلاة، إلى أن دخلت تحت حكم الطولونيِّين سنة 254هـ. وبالرغم من طول هذا العصر الذى يربو على قرنين، لم تتقدم مِصر فيه كثيرًا، لقِصر عهد الوُلاة، وتزعزُع مركزهم، واشتطاطهم فى جمع الضرائب».
و… وعن مصر الحلوة الحديث لا ينتهى…!

الأسقف العام رئيس المركز الثقافى القبطى الأرثوذكسى

التعليقات