مصر الحلوة 90 – «هل يحكمنا؟!» – 11/1/2015

مصر الحلوة 90 – «هل يحكمنا؟!» – 11/1/2015

تحدثنا فى المقالة السابقة عن جغرافية شبه الجزيرة العربية وأقسامها من خلال تقسيمين. وتحدثنا عن انتشار القراءة والكتابة بين سكان شبه الجزيرة العربية. وانتقلنا إلى الحالة الدينية والتعددية فى الديانات التى انتشرت كعبادة الأصنام، والحنيفيّة، واليهوديّة، والمَسيحيّة. وبدأنا الحديث عن الوثنية، والطَوطِمية، والمجوسية. واليوم نستكمل الأحوال الدينية فى شبه الجزيرة العربية.

«الصابئية»

وهى عبادة الكواكب، وفيها يُعتقد بتأثير النجوم على الكَون. وقد دان بها كثير من أهل «الشام» و«اليمن» فى القديم، إلا أنها ضعُفت بعد انتشار اليهودية والمسيحية.

«الزِّنديقية»

وقد وُجد شىء من الزندقة فى بعض من العرب، وكانت قد وصلت إليهم عن طريق الحِيرة، كما وُجدت فى بعض من «قريش» لاحتكاكها بالفرس عن طريق التجارة.

عبادات أخرى

«الحنفاء»

وكانوا يُطلق عليهم «الموحّدون». وكانوا يرفضون عبادة الأصنام، ويُؤمنون بوَحدانية الله، وبالبعث والحساب ويوم القيامة، وانتشرت تلك العبادة فى «تِهامة»، و«اليمامة» فى «مكة» و«الطائف».

اليهودية

انتشرت اليهودية فى جزيرة العرب، وبخاصة فى «اليمن» و«خَيبر» و«يثرب» حيث بنو «قريظة» وبنو «النضير» وبنو «قُينَقاع». وقد هاجر اليهود إلى شبه الجزيرة العربية على مرحلتين:

   المرحلة الأولى: بعد سبى «بابل» وخراب «أورُشليم» والهيكل على مرحلتين: الأولى عام 606 ق. م. حين ذهب «نَبُوخَذنَصَّر» ملك «بابل» إلى «أورُشليم» وحاصرها، وأخذ معه بعض آنية بيت الله، وأفرادًا من النسل الملكى وشرفاء يهوذا، وكان من بينهم «دانيال النبى» ورفقاؤه، والثانية عام 597 ق. م. فحوصرت أورشليم حتى جاء «نَبُوخَذنَصَّر» مرة أخرى فى أثناء الحصار، وأخذ «يَهُوياكِين» ملك «أورُشليم»، وأمه، وعبيده، ورؤساءه، وخِصيانه، وعشرة آلاف مسبى، وجميع الصُّناع، ولم يترك فى الأرض إلا الفقراء من الشعب، ما أدى إلى هجرة البعض منهم إلى «الحِجاز».

   والمرحلة الثانية: التى يستند إليها كثير من المؤرخين على وجود قبائل اليهود فى «الحِجاز»، ففى عام 70 م أرسل الرومان جيشاً بقيادة «تِيطُس» الذى قام يدمر الهيكل وتركه خراباً. فرحلت قبائل عديدة من اليهود إلى «الحِجاز»، واستقرت فى «يثرب» و«خَيبر» و«تَيماء»، وهكذا انتشرت الديانة اليهودية بين بعض العرب عن طريق هؤلاء المهاجرين. وكان لليهود وزنهم السياسى والعسكرى والاقتصادى فى تلك الأماكن.

المَسيحية

   أمّا المَسيحية، فقد انتشرت فى شبه الجزيرة العربية فى «نَجران» و«صنعاء» و«اليمامة»، وكذلك فى الحِيرة قرب «الكوفة» بواسطة الرومان. إلا أن بعض المؤرخين يُرجعون إلى الأحباش الدور فى انتشار المَسيحية هناك عندما احتلوا «اليمن» عام 340 م. واعتنق «الحِمْيَرِيُّون» فى «اليمن» المَسيحية بعد وصول أحد المبشرين إليها. ويُذكر أن «إمرأ القيس بن عمر» الذى لُقب بـ«ملك العرب» كان مَسيحياً. وعُرفت كنائس فى جزيرة العرب فى «نَجران»، و«اليمامة»، و«صنعاء». وقد ذكر «روبرت هُيلند» أن نسبة المَسيحيِّين بين القبائل العربية تُقدر بـ80% تقريباً، بينما بقِيت 20% على وثنيتها. كذلك صار سكان «البَتراء» فى الأردن و«تَدمُر» جنوب شرق «سوريا» مَسيحيِّين. ومع تحول الإمبراطورية الرومانية الشرقية إلى المَسيحية، صارت «سوريا» مَسيحية بعد عبادة أهلها الأوثان والآلهة الرومانية واليونانية.

   ويذكر بعض المؤرخين أن «فيليب العربى» أو «ماركوس يوليوس فيلِبُّس» الإمبراطور الرومانى (244-249م) كان أول قياصرة الرومان المَسيحيِّين، وذلك من الآثار التاريخية التى تركها، وأن أصله من «بصرى» ثم انضم إلى الجيوش الرومانية، ومن أعماله تشييد مدينتَى «عمان» و«حوران». إلا أن البعض الآخر يؤكد أنه سمح فى عهده للمَسيحيِّين بحرية العبادة، ولكنهم لا يرجحون اعتناقه المَسيحية ويرَون أنه مهّد لاعتناق الإمبراطور «قسطنطين» المسيحية لتصبح الديانة الرسمية للإمبراطورية.

وهكذا تنوعت العبادات والديانات فى شبه الجزيرة العربية.

   وربطت التجارة، كما ذكرنا سابقاً، بين بلاد شبه الجزيرة العربية بعضها ببعض، وبينها وبين مِصر. إلا أن بعض المؤرخين ذكروا قِصصاً عن زيارة «عمرو بن العاص» للإسكندرية عندما كانت ولاية رومانية. تنقُل لنا إحدى تلك القصص أحداثاً قد يرى البعض فيها قدرًا من المبالغة، وقد يقبلها بعض آخر، إلا أننا نقدمها مع ما ذُكر من تعليقات عليها.

   قيل إنه فى إحدى رحلات «عمرو بن العاص» التجارية، وعلى ما يُظن أنها كانت واحدة من الرحلات الصيفية التى كانت متجهة إلى بيت المقدس مع بعض من قبيلة «قريش». وفى أثناء الرحلة، التقى «عمرو بن العاص» أحد شَمامِسَة الروم من الإسكندرية كان قد ذهب للصلاة إلى بيت المقدس، ثم للتجول فى الصحراء للعبادة مدة من الزمان. وحدث أن مر ذلك الشماس «بعمرو» وهو فى نوبته لرعاية الإبل، وكان قد اشتد به العطش جداً، فطلب إليه أن يشرب، فسقاه «عمرو» من قِربة له. وبعد أن شرِب الشَمّاس نام. وبينما هو نائم، خرجت عليه حية رآها «عمرو» فقتلها. وعندما استيقظ الشماس، ورأى الحية، أدرك الخطر الذى كان يَُحيق به ونجاه الله منه بفضل «عمرو» عندما أخبره أنه قتلها. تذكُر القصة أن ذلك الشماس أقبل إلى «عمرو» وقبَّل رأسه، وقال: قد أحيانى الله بك مرتين، مرة حين عطِشتُ حتى الموت، ومرة حين سعَت نحوى تلك الحية. وسأله الرجل عن سبب وجوده فى القدس، فأجاب «عمرو» أنهم قدِموا للتجارة، وأنه يرغب فى كسب المال الذى يستطيع به شراء بعير. ثم سأله الرجل عن دية الإنسان، فقال: مائة من الإبل. فسأله الرجل عن قيمة الإبل المادية، فأجاب «عمرو»: ألف دينار. طلب الرجل إلى «عمرو» أن يأتى معه إلى بلاده ليقدِّم إليه دية رجل مرتين، إذ أنقذه من الموت مرتين. ودار هذا الحديث بينهما:

ـ عمرو:

أين بلادك؟

ـ الشَّمّاس:

مِصر، فى مدينة يقال لها «الإسكندرية».

ـ عمرو:

لا أعرفها، ولم أدخلها قط.

ـ الشَّمّاس:

لو دخلتَها لعلِمتَ أنك لم تدخل مثلها قط!

   وافق «عمرو» على الذهاب إلى «الإسكندرية» بعد أن وعده الرجل بالوفاء بالعهد على أن يرده مرة ثانية بعد شهر. وهكذا انطلق «عمرو» مع الرجل إلى «الإسكندرية» بعد أن شاور أصحابه، وأخذ معه رجلاً منهم ليصحبه فى رحلته.

   وحين وصل «عمرو» وصاحِبه إلى الإسكندرية، ورأى أبنيتها وجودة بنائها، وأهلها، وكل الخير الذى تتمتع به المدينة، قال: ما رأيتُ مثل مِصر قط، وكثرة ما فيها من أموال! وقد وافق دخوله المدينة يوم عيد عظيم يحتفل به أهلها وعظماء المدينة، وكانوا يلعبون بكُرة مغطاة بالذهب ويقذفونها، وكان من يتلقى تلك الكرة بأكمامه يصير عليهم ملكاً. وجلس «عمرو» مع الشَّمّاس، بعد أن ارتدى عباءة أهداه إياها فى ذلك المجلس. وحدث أن الكرة التى يتلقَونها بأكمامهم رمى بها رجل فوقعت فى كُم «عمرو»، فتعجبوا جداً إذ إن عهدهم بهذه الكرة أن من يتلقاها يصير ملكاً ويحكم البلاد! فقالوا: ما كذَّبَتنا هذه الكرة قط، إلا هذه المرة. أتُرى هذا الإعرابى يملِك علينا؟ هذا ما لا يكون أبدًا!!

   وقد أوفى الرجلُ «عمراً» دَينه، فعاد مع صاحبه إلى بيت المقدس، بعد أن عرَف «عمرو» مدخل «مِصر» ومخرجها، ورأى فيها ما أدهشه من عمارة، ومال.

   وقد علّق أحد المؤرخين على تلك القصة بقوله: (إن القصة لا تحمل ما يناقض ما لدينا من معلومات، فقد كانت لـ«قريش» رِحْلات تِجارية إلى «الشام» فى الصيف، و«عمرو» هو أحد أفرادها. ورِحلة الصيف تقع فى أوله، وهذا يناسب وصول «عمرو» فى أثناء الاحتفال بأعياد: «الفصح» لليهود، و«القيامة» وشم النسيم للمَسيحيِّين. أما عن وجود الشَّمّاس الذى من الروم فى القدس، فيوافق أمر ذهاب المَسيحيِّين إلى زيارة القدس والصلاة فيها).

   بينما علق الأستاذ «العقاد» عليها بأنها قصة غير حقيقية ملفقة، فقال: (… وهى قصة مريحة فى تلفيقها، لأن القارئ لا يتعب فى الاهتداء إلى مواضع التلفيق منها. فلا يخفى على قارئ من قراء العصر الحاضر موضع التلفيق من حكاية الكرة، ولا موضع المبالغة من حكاية الدنانير). إلا أنه يستكمل: (وشفاعة القصة الوحيدة أنها تروى لنا مدخل «عمرو» إلى «مِصر» على أقرب الوجوه أن يكون هو الوجه الصحيح، وهو النظر إلى شعبها وحكومتها وعمارتها ومُجمَل أحوالها، فى صحبة شَمّاس يُريه من أسرار ذلك جميعه ما لا يراه فى صحبة رجل غيره، إذ كان الشَّمّاسون يومئذ أعرف الناس بحقائق الخلاف بين الحكومة والكنيسة وبين شُعب الكنيسة فى داخلها). وهنا يقصد الأستاذ «العقاد» الحالة السياسية والأزمات التى تعرضت لها الكنيسة من السلطة التى تحكم البلاد التابعة لإمبراطورية الروم، وأيضاً الخلافات الشديدة والقهر والقتل والتعذيب من المِسيحيِّين «الملكانيِّين» لـ«أقباط مِصر» التى عرضنا لها فى مقالات سابقة بالتفصيل. ويستمر العقاد فى التعليق على القصة: (وكان «عمرو» خليقاً أن يعرِف منه «مِصر» تلك المعرفة التى هونت عليه الهجوم على فتحها بذلك العدد القليل من الجند، وتلك العُدة القليلة من السلاح. إلا أن هذه القصة على أى حال، ليست مرجعنا الوحيد فى العلم بزيارة «عمرو» للديار المِصرية، فقد روى «الكِنْدى» أنه كان يحمل التجارة إليها كما كان يحملها إلى «بيت المقدس» و«الشام»).

                                             * الأسقف العام رئيس المركز الثقافى القبطى الأرثوذكسى

التعليقات