مبادئ – الحكمة (1) – 20/4/2013

مبادئ – الحكمة (1) – 20/4/2013

يقولون‮ “‬الحياة رحلة فخطط لها جيدا‮”… ‬وأهم مقومات نجاح هذه الرحلة‮ “‬الحكمة‮”. ‬لذا ظلت البشرية عبر عصور الحياة تفتش في كل الدروب عن الحكمة التي أدرك الإنسان أنه لا‮ ‬غني عنها،‮ ‬فتساءل أيوب البار‮ : “‬أما الحكمة فمن أين توجد وأين هو مكان الفهم‮”‬،‮ ‬وبمرور الأزمان أدرك البشر أهمية الحكمة وقيمتها التي تفوق الجواهر واللآلئ وقال الحكيم‮ ” ‬لأن الحكمة خير من اللآلئ وكل الجواهر لا تساويها‮”‬،‮ ‬وأيضا‮: “…‬تحصيل الحكمة خير من اللآلئ‮”. ‬وقد طوب الكتاب المقدس الإنسان الحكيم في سفر الأمثال‮ “‬طوبي للإنسان الذي يجد الحكمة وللرجل الذي ينال الفهم‮”.‬

ونجد اهتمام الآباء الشديد باكتساب‮ “‬الحكمة‮”‬،‮ ‬وأطلقوا عليها تعبير‮ “‬الإفراز‮”‬،‮ ‬أي قدرة الإنسان علي الفرز ما بين الخير والشر،‮ ‬واعتبروه أهم وأقدر الفضائل علي حفظ الإنسان من فخاخ العدو‮. ‬فقال أحد الآباء‮: ‬حقًا إن كل الفضائل نافعة ويحتاج إليها كل الذين يطلبون الله ويريدون التقرب إليه،‮ ‬إلا أن أهم هذه الفضائل‮ “‬الإفراز‮”‬،‮ ‬فبه يفحص الإنسان سلوكه وأقواله وأعماله،‮ ‬ويفهم الإنسان الأمور ويميز الجيد منها والردئ‮.‬

ولم يتوقف الفلاسفة علي مر العصور من إبراز أهمية الحكمة لحياة وسعادة الإنسان،‮ ‬فعلي سبيل المثال لا الحصر وضع أفلاطون‮ “‬الحكمة‮” ‬أول الفضائل الأربعة في حياة الإنسان‮: ‬الحكمة،‮ ‬والعدالة،‮ ‬والشجاعة،‮ ‬والإعتدال،‮ ‬كما وصف سوفوكليس الحكمة بأنها‮ “‬أسمي درجات السعادة‮”.‬

ولكلمة‮ “‬الحكمة‮” ‬العديد من المرادفات منها‮ “‬المعرفة‮” ‬و”التعقل‮” ‬و”الفطنة‮” ‬و”الفهم‮”. ‬ويُعَّرف البعض الحكمة بأنها‮: ‬وصول الإنسان إلي‮ ‬غايته وهدفه من خلال الوسائل الصحيحة والمناسبة‮. ‬وقد ذُكرت كلمة‮ “‬حكمة‮” ‬ومشتقاتها في الكتاب المقدس أكثر من‮ ‬350‮ ‬مرة،‮ ‬مما يوضح أهميتها الشديدة لحياة الإنسان‮. ‬وقد طالبنا الله‮ – ‬جل جلاله‮ – ‬بالحكمة وقال‮ “‬كونوا حكماء كالحيات وبسطاء كالحمام‮”. ‬ووضع الحكمة أولاً‮ ‬قبل البساطة‮. ‬ويقول أحد الآباء لأن الحكمة درع أمان وحماية لبساطة الإنسان‮. ‬أيضاً‮ ‬ذُكرت الحكمة في مثل‮ “‬وكيل الظلم‮” ‬الذي تصرف بحكمة عندما طلب منه سيده أن يعطي حساب وكالته،‮ ‬ومثل آخر علي النقيض منه هو‮ “‬الغني الغبي‮” ‬الذي لم يتصرف بحكمة عندما اهتم بالعالم ومخازنه ناسيًا أمر حياته الأبدية فلم يعمل لأجلها‮.‬

- مصادر الحكمة

مصدر الحكمة هو الله‮ “‬كلي الحكمة‮” ‬فيقول‮: “‬عنده الحكمة والقدرة‮. ‬له المشورة والفطنة‮.”‬،‮ ‬فالله وحده يعلن خفيات الحكمة للإنسان وفي هذا قال العظيم في الأنبياء إرميا‮ ” ‬ادعني فأجيبك وأخبرك بعظائم وعوائص لم تعرفها‮”. ‬وأيضاجاء في سفر أيوب‮ “‬ويعلن لك خفيّات الحكمة‮ … “‬والله هو الذي يهب الحكمة للإنسان،‮ ‬وقال الحكيم‮ “‬لأن الرب يعطي حكمة‮. ‬من فمه المعرفة والفهم‮”.‬

وللإنسان أيضًا دور في اقتناء الحكمة وسعيه لإكتسابها من خلال‮: ‬المشورة ومرافقة الحكماء والقراءة والتأمل والخبرة

- المشورة‮:‬

يوصي الحكيم بالاستماع إلي المشورة‮ ‬وقبولها لأنها الطريق إلي الحكمة‮ “‬اسمع المشورة واقبل التأديب لكي تكون حكيما في آخرتك‮.”‬،‮ ‬فالإنسان الذي يقبل المشورة هو إنسان يسعي للمعرفة الحقيقية الصادقة ويقبل أن يتعلم ممن حوله،‮ ‬وهو علي النقيض من الإنسان الجاهل المتمسك برأيه فقط ظناً‮ ‬أنه هو الوحيد الصحيح،‮ ‬وقال أيضًا أن‮ “‬طريق الجاهل مستقيم في عينيه‮. ‬أما سامع المشورة فهو حكيم‮.” ‬و”حيث لا تدبير يسقط الشعب‮. ‬أما الخلاص فبكثرة المشيرين‮”.‬

ولكن لمشورة مَنْ‮ ‬يستمع الإنسان؟ يحتاج الإنسان أن يستمع لمشورة من لهم الحكمة والمعرفة والخبرة حتي تكون مشورتهم حسنة وتكون السبيل ليتعلم منها الحكمة‮. ‬فعلي سبيل المثال،‮ ‬أخذ رحبعام بن سليمان مشورة الأحداث وترك مشورة الشيوخ الحكماء فأدي هذا لإنقسام مملكة أبيه سليمان‮. ‬يقول المثل‮ “‬اختر الرفيق قبل الطريق‮” ‬فمصاعب طريق الحياة تبددها حكمة الرفقاء‮. ‬وهذا يقودنا إلي النقطة التالية

- مرافقة الحكماء‮:‬
يقول الحكيم‮ “‬المساير الحكماء يصير‮ ‬حكيمًا ورفيق الجهال يضر‮”‬،‮ ‬ويقولون‮ “‬أرني صديقك فأقول لك من أنت‮”‬،‮ ‬لذا يجب عليك أن تختار في‮ ‬غمرة الحياة ومشكلاتها أشخاصاً‮ ‬يساعدونك علي التفكير الحكيم والقدرة علي اتخاذ القرارات الصائبة في الأوقات المناسبة حتي لا تتعثر في الطريق‮. ‬اختار الإبن الضال أن يكون رفيقا للجهال فخسر كل شيء ولم ينقذه إلا عودته لأبيه وتوبته،‮ ‬وقصة الإبن الضال تتكرر آلاف المرات في حياتنا،‮ ‬فقل مع الشاعر

عاشِـرْ‮ ‬أُنَاسـاً‮ ‬بِالـذَّكَـاءِ‮ ‬تَمَيَّـزُوا وَاخْتَـرْ‮ ‬صَدِيقَكَ‮ ‬مِنْ‮ ‬ذَوِي الأَخْـلاقِ

- القراءة والتأمل‮:‬
حينما تقرأ فأنت تفكر مع شخص آخر بدلاً‮ ‬من نفسك،‮ ‬لذا فالقراءة مجال خصب لتنمية الحكمة،‮ ‬وقد قال البعض أن‮ “‬القراءة تصنع الرجال‮”‬،‮ ‬وعندما سُئل أرسطـو‮: ‬كيـف تحكم علي إنسـان؟ أجـاب‮: “‬أسأله كم كتاباً‮ ‬يقرأ وماذا يقـرأ؟‮”. ‬والقراءة يجب أن تكون في أنواع متعددة من الثقافة والمعارف ليمتلئ عقل الإنسان وفكره بكل ما هو صالح ومفيد لمعرفته‮.‬

فمن أسباب معوقات الحكمة قلة المعرفة في أمر ما مما يجعل الإنسان يسلك سلوكا خاطئا قد تترتب عليه نتائج لا يمكن اصلاحها،‮ ‬لذا كلما قرأت كلما اتسع أفقك وذهنك لتعرف كيف يفكر الآخرون،‮ ‬كما أن تأملك فيما تقرأ ينمي قدرتك علي الاختيار الصحيح لكل ما تقرأ‮. ‬

- الخبرة‮:‬

فالخبرات التي يمر بها الإنسان أو من حوله تُزيد حكمة الإنسان عادة بتقدمه في الأيام،‮ ‬وأيضا تُكسبه مزيداً‮ ‬من الحكمة‮ “‬عند الشيب حكمة وطول الأيام فهم‮”‬،‮ ‬ولكن قد يحدث في بعض الأحيان أن يكون الشاب أحكم من الشيخ لما قد يكون مر به من خبرات أكسبته الحكمة‮. ‬فقد كان يوسف الصديق ودانيال أحكم من الكثير من الشيوخ‮.‬

وللحديث بقية

التعليقات