عام جديد – يناير 2015م

عام جديد – يناير 2015م

أهنئكم جميعـًا بالعام الجديد، متمنيـًا من الله أن يكون عامـًا ممتلئـًا بكل الخير والسلام لجميع المِصريين. ونحن نبدأ خَطواتنا نحو عام جديد، أود أن نضع نُصْب أعيننا بعض الأفكار التي قد تساعد على أن يخطو فيه الإنسان بإيجابية نحو النمو والنجاح اللذين يرغبهما.
أولـًا: ليكُن عامـًا جديدًا يبدأ فيه الإنسان بتغيير النقاط السلبية التي عاشها خلال الأعوام السابقة، التي باتت معوِّقـًا يغتال أحلامه وآماله؛ فكلما تخلَّص الشخص من السلبيات وبدأ في اكتساب الإيجابيات، اتجه نحو عالم أفضل يمتلئ بالسعادة، والرخاء، ويرتفع بنفسه إلى تلك الصورة التي خُلق عليها.
ثانيـًا: ليكُن عامـًا آن فيه لمن حياته بلا أهداف أن يبدأ ويجلس إلى ذاته ويضع أهدافـًا لنفسه في الحياة؛ فقد قيل: “إن العالم يُفسح الطريق للمرء الذي يعرف إلى أين هو ذاهب”. وحينما يُدرِك الإنسان وِجهته، يمكنه أن يسعى بكل جِد والتزام للوصول إلى أهدافه؛ فيصبح لحياته معنًى وقيمة. وكلما عظُمت الأهداف، تعاظمت قيمة حياة صاحبها.
ثالثًا: ليكُن عامًا نبدأ فيه معـًا رحلة للتعاون والتقدم والنمو، نشعر فيه بأهمية العمل المشترك بيننا جميعـًا، ونُدرك أنه لا طريق إلى البناء إلا بأن تتكاتف أيدينا من أجل النمو والرخاء والازدهار والاستقرار. نقدِّم فيه يد العون كلٌّ منا إلى الآخر؛ فبدلـًا من أن نلعن الظلام نحاول إشعال شمعة في الطريق، ونساعد الآخرين على إشعال شموعهم؛ فإن الشمعة لن يُضيرها شيء إذا أضاءت شموعـًا أخرى! وقد أعجبنى أحد التعليقات التي قرأتُها تقول: “إذا ظل كل إنسان يحاول إطفاء مصباح الآخر، فلن يقود هٰذا إلا إلى سير جميعنا في طريق الظلام!”. وفي الظلام، لن تستطيع رؤية الطريق إلى تحقيق آمالك، ولن يمكنك أن تتجنب ما يمثِّل فيه عثرة لك. ويجب ألا ينسى الإنسان، أنه حين يضيء طريق الحياة، سيجد أن طريق المستقبل يتلألأ ضياءً بكل الخير لنا جميعـًا، وحينئذ فقط، تكون لنا القدرة على التقدم بخطـًى ثابتة وسريعة نحو ما نتمناه، وما تصبو نفوسنا إلى تحقيقه من أهداف وأحلام.
عيد سعيد
ويرتبط العام الجديد بعيد الميلاد؛ فأتقدم بالتهنئة إلى المِصريين جميعـًا بعيد ميلاد السيد المسيح. وفي عيد الميلاد، نجد أن الرسالة المقدَّمة إلى العالم هي تسبحة الملائكة: “المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وفي الناس المسرة.”. وهٰكذا ظلت رسالة الميلاد في كل عام جديد عبر الأزمان بشارة “السلام” و”السعادة”.
السلام
يُعد فقدان السلام في العالم من أهم المشكلات التي تعترض البشر؛ وتمر الأيام وهي تحمل في طِياتها سعي الإنسان إلى الاستقرار الذي لا يتحقق إلا بالسلام. فالإنسان القلِق لا يمكنه أن يخطو نحو المستقبل بثبات، ولا يعمل بكفاءة؛ إذ هو دائمـًا ما يشعر بأن هناك شيئـًا في أعماقه يحُثه على الخوف والجزع والتراجع عن الحياة.
والله هو “إلٰه السلام”، الذي يقدِّم السلام هبةً إلى كل من يلجأ إليه. والسلام الذي يهبه الله للإنسان، يتسم بأنه سلام دائم، لأن مصدره الله الدائم غير المتغير؛ فكل عطية يقدّمها الله إلى الإنسان ثابتة لا تتغير. قد تستمر المشكلات في العالم، إلا أن الإنسان المتمسك بالله لا يفقد سلامه أبدًا؛ فهو يثق بأنه في يد أمينة ترعاه وتلبي جميع حاجاته في وقتها المناسب؛ لذٰلك لا يفقد سلامه أبدًا. وكلما ازدادت المشكلات، ازداد تمسكـًا بالله؛ فتعبر كرياح، ويمتلئ هو بمزيد من الثقة. وعندما يحصل الشخص على السلام الحقيقيّ الثابت في أعماقه، فإنه يسعى لنشر هٰذا السلام بينه وبين من يعيش معه؛ فقد قيل: “عندما تجد السلام داخل نفسك، تصبح شخصـًا من النوع الذي يمكن أن يعيش في سلام مع الآخرين.”؛ وهٰكذا ينتشر السلام بين الجميع. فقد جاء السيد المسيح ليقدِّم إلى الإنسان السلام؛ وكانت رسالته كلها السلام؛ فلنحمل إذًا هٰذه الرسالة إلى الجميع إذ “طوبى لصانعي السلام …”.
السعادة
في رحلة الإنسان في الحياة، نجد الجميع يتسابق في البحث عن السعادة؛ فهناك من يظن أنها أموالـًا، أو وضعـًا اجتماعيـًّا، أو مزيدًا من العلم، أو سلطة … إلخ، إلا أن الجميع يكتشف أن السعادة أمر آخر عن كل تلك. السعادة الحقيقية هي تنبَُِع أولـًا من داخل الإنسان لا خارجه؛ وهي مستمرة لا تهتز مهما تغيرت الأمور والظروف.
وهنا، أتذكر قصة رواها أحد الصبية الذي تحدث عن “أروع عيد ميلاد”. كان والد الطفل نجارًا بسيطـًا لا يملِك إلا قوت يومه. وفي ليلة عيد الميلاد، اصطحب ابنه، ذا الأربعة عشَر عامـًا، في رحلة على بعض بيوت القرية التي يعيشان فيها. ويقول الصبيّ: طلب مني أبي أن أرافقه في زيارة سيقوم بها؛ وعندما سألتُه عنها قال لي: ستعرف الآن. وإذا أجده يدق باب رجل عجوز بالقرية لديه ابن واحد فقط غائب عن البلدة. وحين فتح لنا العجوز، استقبلنا ودعانا إلى دخول المنزل حيث هنأه أبي بعيد الميلاد، وقدَّم إليه طعامـًا للعشاء متمنيـًا له عيدًا سعيدًا. فرِح العجوز بزيارة أبي له، إذ لم يطرق بابه أحد منذ عدة أيام؛ شاعرًا بحزن شديد لغياب ابنه ليلة عيد الميلاد!! ويستكمل الطفل: ولم أشعر إلا بسعادة شديدة تغمرني مع ابتسامة العجوز لنا. ثم توجهنا إلى منزل امرأة مريضة بالقرية. فطرق أبي بابها ودخلنا إليها، ليقدم إليها أبي بعض قطع الخشب التي تحتاجها لتدفئة الغرفة، ثم قام بإشعال بعضها، وقدم إليها طعامـًا. ثم خرجنا من منزل تلك العجوز وهي ترافقنا بكلمات الشكر والعرفان؛ فقد شعرت حينئذ بسعادة عيد الميلاد. وهٰكذا أخذ أبي يطرق عدة أبواب في القرية ليهنئ بالعيد؛ ويقدِّم خِدْمات إلى أصاحبها. وأردف الطفل: حقـًّا، لقد كان أعظم الأعياد التي عشتُها في حياتي وأسعدها إلى قلبي!!
نعم، إن السعادة الحقيقية تكمن في أعماقنا، وتزداد كلما قدمنا إلى الآخرين ما يمكننا حتى إن كان بسيطـًا؛ فعظمة العطاء في المحبة التي يقدَّم بها، وقوة السعادة في قدرة الإنسان على إسعاد الآخرين.
أتمنى لكم عام ملؤه سعادة، وعيدًا ممتلئـًا بهجة، كما أتمناه للمِصريِّين جميعـًا مشمولًا بكل الخير والسلام والهناء. حفِظ الله مِصر وصانها من كل شر.
الأسقف العام رئيس المركز الثقافيّ القبطيّ الأُرثوذكسيّ

التعليقات