التعايش – فبراير 2015م

التعايش – فبراير 2015م

   لا يستطيع الإنسان أن يحيا في جزيرة منعزلة عن الآخرين؛ فإن كان كل إنسان يحمل في أعماقه مبادئه النابعة من القيم الدينية والثقافية والمجتمعية، إلا أننا جميعـًا نعيش في وطن واحد يضمُنا جميعـًا. ومن هنا، واجبنا أن نحيا معـًا بلا انعزال أو بمشاعر سلبية. فحين يبتعد البشر بعضهم عن بعض، ويفقدون قدرتهم على الترابط، يعيش كل منهم منفصلـًا في جزيرة مخصوصة به؛ وأصعب الصور هي التمزق الذي يشهده المجتمع الذي يعيشون فيه.
   وهٰذا لا يعني أنه على الإنسان أن يغير أفكاره أو مبادئه، أو يتلاشى كِيانه ويذوب في الآخرين، ولٰكن أن تكون له المرونة التي تمكنه من معاملة من حوله دون مشكلات. لذٰلك أصبحت قدرة الإنسان على تعايشه هو والآخرين وحجم مرونته في استيعاب من حوله يؤثران بدرجة كبيرة في مدى نمُو البلاد والشُّعوب والتقدم نحو تحقيق الإنجازات وصنع الحضارات. ومن الأمور التي تساعد على التعايش وسْط الآخرين:

أولـًا: ابحث عن الأمور المشتركة بينك وبين الآخرين
• الإنسانية
   وأول الأمور التي يجب أن ينتبه لها الإنسان، هي أننا جميعـًا نحمل الطبيعة الإنسانية في أعماقنا؛ فكلنا بشر له أفكاره ومشاعره، يتألم ويسعد، يحمل نقاط قوة ونقاط ضعف. ومن خلال هٰذا، يبدأ الإنسان في التقارب نحو الآخرين في المجالات كافة: الأسرة، والعمل، والجِّيرة. فيتعلم الإنسان أن يحترم الآخر ويقدره، وأن يعتبر مشاعره، وأن يشجعه ويسانده في أوقات الضعف. ويُعد احترام الآخر من أهم القواعد التي تُكسبك قلوب الآخرين وعقولهم. وأسمى قواعد الإنسانية أن تحب من حولك وإن اختلفتم في الرأي؛ فكما يقولون: “إن الإختلاف لا يُفسد للود قضية”. فلا تجعل محبتك ومساعدتك ومساندتك وتكاتفك أنت والآخرين تُفقد وسْط هموم الحياة؛ فكل الأمور تزول، لٰكن المحبة الحقيقية والخير الذي يقدمه الإنسان لا يموتان، حتى إن هو غادر العالم.

• القيم والمبادئ
أن يقوم الإنسان بالتركيز في القواعد المشتركة للقيم والمبادئ بينه وبين الآخرين. ويُعتبر مجتمعنا الشرقيّ من المجتمعات المتأثرة بالثقافات الدينية. وإذا بحثنا، وجدنا أن هناك فضائل وصفات عامة إنسانية سلوكية نادت بها الأديان جميعها. فمتى كانت مناقشاتنا ولغة الحوار بيننا هي عما يجمعنا، لا ما نختلف عليه، تقاربنا جميعـًا وتكاتفنا، حيث إن شعورنا السائد سيكون أن هناك أشياء مشتركة بيننا.

ثانيـًا: كن مرنًا
كلما ازدادت مرونة الإنسان، ازدادت قدرته على العمل والإنتاج في كثير من المجالات، ومع نوعيات مختلقة من البشر، بنجاح. فالإنسان المرن يستطيع احتمال الاختلاف مع المتغيرات من حوله، سواء كانت في البشر أو الظروف. ويستطيع أيضـًا استيعاب اختلاف فكر الآخر عنه، والوصول إلى قواعد مشتركة بينهما. والشخص المرن، تجده لا يرفض ما يقدم إليه من أفكار على نحو دائم، بل يسعى إلى فَهم المقصود بها، ويستخدم ما يراه مناسبـًا منها. أمّا الشخصية التي تفتقد المرونة، فترفض قَُبول أيّ آراء أو أفكار تخالفه.

ثالثـًا: تعلم فنون الحوار الناجح
   يُعد الحِوار من أهم قنوات التقارب بين الناس؛ فجهل الإنسان بالآخر وعدم وجود قنوات حوار معه يؤديان إلى الرفض، والابتعاد، وربما إلى العداوة. إن الحوار أداة العقل لتعميق الأفكار وصَقلها، وطريق للتواصل بين البشر، الذي يحمل كل منهم خبرات ومعلومات علمية وحياتية. ومن ثَم يحدث: تبادل للمعلومات والخبرات، والتواصل بالآخرين، والتقارب بين وِجهات النظر. والحوار الجاد المثمر الذي يهدُف إلى التقارب حتمـًا يؤدي إلى تضييق المساحات الشاسعة بين أفراد العائلة الإنسانية، وإلى حل كثير من الخلافات والقضايا، في حين يعود الفشل في حياة كثير من الناس لفقدانهم القدرة على إقامة حوار جيد. لذٰلك، كلما ازدادت مساحة الحوار ازدادت المساحات المشتركة. والحوار الجيد يُساعد على أن يصل الإنسان إلى أقرب درجة من الحقيقة؛ فالحقيقة المطلقة هي خاصة بالله وحده، ولٰكننا نسعى لإدراك بعض منها بعديد من الطرق والأساليب وأحدها “الحوار”. إلا أن الحوار يحتاج إلى اكتساب القدرات التي تجعل منه حوارًا مثمرًا بنّاءً يحقق مصلحة الجميع.
وفي الحوار، ابحث دائمـًا عن الأفكار المشتركة بينك وبين الآخرين لتستطيع أن تبدأ حوارًا يصل بك إلى فَهم أعمق، والحلول التي هي أفضل. ضَع في فكرك أن البشر مختلفون ولٰكنهم ليسوا أعداء، وأن هناك ما يجمعهم. يقول “آنطوني روبِنز” ـ كاتب متحدث أمريكيّ ـ عن الحوار الفعّال: “لكي تتخاطب والآخرين بطريقة فعالة، عليك أن تُدرك أننا جميعـًا مختلفون في الطريقة التي نفهم بها العالم، وأننا نستخدم هٰذا الفَهم كدليل يُرشدنا إلى الاتصال بالآخرين.”. لذا، فدورك أن تصل إلى ما هو مشترك أولـًا، ثم تحاول بالحِوار الوصول إلى مساحات مشتركة كبرى، لئلا تصل إلى التنافر، وإلى إدراك أننا جميعنا مختلفون بعضنا عن بعض في النشأة والفكر والمعتقدات، واعتبار هٰذا ميزة إيجابية لا سلبية؛ فمن خلال هٰذا الاختلاف نتكامل جميعـًا في الرؤية والعمل؛ لنصل إلى أفضل النتائج.
   إن قدرة الإنسان على التعايش هو والآخرين لا يُعد موقفـًا واحدًا في حياة الإنسان، بل هو أسلوب حياة يحتاج منه إلى الاقتناع الكامل بالسلوك في الحياة وَفق قاعدة “نحن” أو “معـًا”، لا “أنا” فقط، كما يحتاج أيضـًا إلى التدرب في مراحل حياته المتنوعة لاكتساب هٰذه القدرة. ومثل كل الأمور، يبدأ تمرس الإنسان عليها من طفولته خلال الأسرة التي ينشأ فيها، فيتعلم القدرة على قَُبول الآخر ومعايشته بنجاح بالرغم من الاختلاف. ثم يأتي دَور المدرسة التي تغرس القيم والمبادئ الإنسانية المشتركة بين الجميع، مع خلق جو من الاحترام بين الطلاب ومعلميهم، وبين بعضهم بعضـًا. كذٰلك لا يمكننا التغافل عن الدور الأساسيّ الذي تقدمه دُور العبادة في ارتقاء الإنسان بمبادئه وأفكاره؛ ومن ثَم قدرته على التعامل بينه وبين الآخر. هٰذا إضافة إلى ما يقدمه الإعلام من تنوير وثقافة في هٰذا المجال. يقولون: “الإنسان ليس جزيرة منعزلة، ولا أرضـًا في حد ذاته، بل كل إنسان هو قطعة مـن قارة، هو فرع من أصل، هـو جزء من كـل.”. ومن هنا، أصبح له دور أساسيّ في دعم التفاهم والتعايش المشترك بينه وبين الآخر.

الأسقف العام رئيس المركز الثقافيّ القبطيّ الأُرثوذكسيّ

التعليقات