مبادئ – «دولة الزعيم» – 9/5/2015

مبادئ – «دولة الزعيم» – 9/5/2015

 

   تُعد الأعوام القليلة التي علا فيها صوت النازية في العالم، من أصعب الأزمنة التي سجلها التاريخ؛ فقد حاول النازيُّون محو الآخرين لتأتي الأيام وتثبت أنه لا مكان لمن يظن أن العالم له وحده. واليوم مع احتفالات “روسيا” بذكرى الانتصار على النازية، نقدم التهنئة على انتصار المبادئ الإنسانية.

   تبدأ احتفالات “روسيا” في هٰذه المناسبة من ليلة التاسع من مايو، ذكرى توقيع “ألمانيا” النازية على الاستسلام في الحرب العالمية الثانية، ليصبح هٰذا اليوم حاملـًا لذكرى الانتصار لإنسانية العالم.

   و”النازية” هي حركة سياسية ظهرت في “ألمانيا” بعد الحرب العالمية الأولى بزعامة “أدولف هتلر”، استطاعت السيطرة على السلطة في البلاد، فأطلقت على “ألمانيا” “دولة الزعيم” و”المملكة الثالثة”.

   ربما تعود أسباب التحرك بقوة نحو “النازية” إلى ما تعرض له المجتمع الألمانيّ من هزيمة في الحرب العالمية الأولى، و”معاهدة ڤيرساي”، مع وجود الأزمة الاقتصادية التي تعرضت لها البلاد، وفي الوقت نفسه الشعور الدفين بأن “ألمانيا” قد بيعت من قِبل الذين يحكمونها. وأصبح أحد أهداف “هتلر” الهامة التي يحلُم بها هو إقامة “ألمانيا” العظمى على أساس سيادة الجنس الآريّ الذي يرى تفوقه على سائر الأجناس!

   اعتمدت النازية، وبخاصة من عام ١٩٢٤م، على اكتساب القاعدة الشعبية والجماهيرية العريضة لتكوين مجموعات نازية في جنوب “ألمانيا” توحدت مع المركز في “ميونخ”.لقد تمتع “هتلر”بعديد من المهارات الشخصية كان أهمها قدرته التنظيمية، وبراعته في الخطابة ليؤثر بها في الشعب ويصبح قائدًا للحزب.  

   وقد لاقت “النازية” قَبولًا بين الشعب نتيجة ما حاولت الترويج له من أفكار مثل تحقيق العدالة. إلا أنها في الحقيقة بُنيت على العنصرية والتشدد ضد الأعراق الأخرى، والإيمان بتفوق أجناس بشرية معينة على أجناس أخرى. وفي سبيل ما آمنت النازية به، استخدمت كل أسلوب وطريقة لتحقيق هٰذا مثل: القمع، والإبادة، واعتقالات المعارضين. ولم يضع “هتلر” صوب عينيه سوى تحقيق حُلمه على ضحايا من البشر، حتى انتهى به الأمر إلى الدخول في حرب عالمية ثانية كانت بداية النهاية لمثل تلك الأفكار والمعتقدات.

          ومن أقسى الصفحات الملطخة بالدماء في التاريخ الإنسانيّ عامة والنازيّ خاصة، هي ما ارتكبته النازية من فظائع إنسانية عُرفت باسم مُحرَقة الـ”هولوكوست” التي وُجهت ضد اليهود، والغجر، والسلالات البشرية الأخرى. لقد اعتبر “هتلر” أن اليهود والغجر من أدنى الأعراق البشرية، وهٰكذا بدأ في إبادة من يراه لا يستحق الحياة!!

   لقد استقى “هتلر” دروسه من التاريخ، إلا أنها كانت أسوأ صفحاته وأصعبها، فتساؤله في خطابه، الذي ألقاه في ٢٢/8/١٩٣٩م، عن موقف العالم من المذابح الأرمنية قائلا: “على الرغم من كل شيء، من يتحدث اليوم عن إفناء الأرمن؟”، كان هو الحافز له على ارتكاب جرائم ضد الإنسانية يندى لها الجبين! وقد ظلت المحاكم التي أقيمت في مدينة “نورمبرغ” في “ألمانيا” بعد سقوط النازية تحاكم المتورطين فيها سنين طويلة.

   بدأت نقطة التحول في التاريخ مع انتصار القوات السوڤيتية على النازيِّين في معركة “استالينجراد”؛ فمع اقتراب الحرب العالمية الثانية من عامها الثالث، كان النازيُّون ما يزالون يتوغلون في “الإتحاد السوڤيتيّ” مع وجود مقاومة ضعيفة؛ حتى وصلوا إلى تلة “مامايف” وأطلوا على نهر روسيا العظيم “الفولغا”. ومع معركة “استالينجراد”، بدأ صد القوات النازية وتقهقرها، لتبدأ أولى خطواتها نحو الهزيمة، ويتقدم الجيش السوڤيتيّ نحو “برلين”؛ ليتحقق الانتصار على “النازية” وما دعت إليه من أفكار تتعدى احترام إنسانية البشر وتكسَّرت معها كل المبادئ والقيم الإنسانية. لقد مرت أعوام على ذكرى النصر؛ قُدم فيها كثير من البذل والعطاء، وأُنجزت بطولات ربما يغيب عن أذهاننا صانعوها، أو لا نعرف كثيرًا من أبطالها، إلا أنهم استطاعوا هزيمة الأفكار التي حاولت انتزاع الإنسانية من البشر.

                                      الأسقف العام رئيس المركز الثقافيّ القبطيّ الأرثوذكسيّ

التعليقات