مصر الحلوة 112 – «الصوم… عمله» – 21/6/2015

مصر الحلوة 112 – «الصوم… عمله» – 21/6/2015

بداية أود أن أهنئ إخوتنا المسلمين في «مِصر» والمِنطَقة العربية والعالم ببَدء شهر «رمضان»، وليجعله الله صوما مقبولا، متمنيًا كل خير وسلام لـ«مِصر» والمِصريِّين جميعًا.
وأشد ما استرعى انتباهى أن هذه الأيام هي أيام يشترك فيها المِصريُّون بالصَّوم، فالمسلمون يصومون صوم «رمضان»، والمَسيحيون يصومون صَوم «الرسل»، وهكذا يشتركون في تقديم عمل روحى عميق إلى الله.

الصَّوم في الأديان
والصَّوم هو أحد الممارسات العامة في: «اليهودية»، و«المَسيحية»، و«الإسلام»، وهو أمر معروف أيضًا ومنتشر في العبادات الأخرى مثل: «البوذية»، و«الكُنفوشيوسية»، و«الهندوسية»، وغيرها.
ففى «اليهودية» كان الصَّوم معروفًا لدى الشعب، إذ نجد «داوود النبى» المَلك يصوم فيقول في سفر المزامير: «وَأَبْكَيْتُ بِصَوْمٍ نَفْسِى…»، و«إِشَعياء النبى»: «أليس هذَا صَوْمًا أَخْتَارُهُ: حَلَّ قُيُودِ الشَّرِّ. فَكَّ عُقَدِ النِّيرِ، وَإِطْلاَقَ الْمَسْحُوقِينَ أَحْرَارًا، وَقَطْعَ كُلِّ نِيرٍ. أَلَيْسَ أَنْ تَكْسِرَ لِلْجَائِعِ خُبْزَكَ، وَأَنْ تُدْخِلَ الْمَسَاكِينَ التَّائِهِينَ إِلَى بَيْتِكَ؟ إِذَا رَأَيْتَ عُرْيَانًا أَنْ تَكْسُوَهُ، وَأَلاَ تَتَغَاضَى عَنْ لَحْمِكَ». ويقول «يوئيل» النبى: ««وَلكِنِ الآنَ، يَقُولُ الرَّبُّ، ارْجِعُوا إِلَىّ بِكُلِّ قُلُوبِكُمْ، وَبِالصَّوْمِ وَالْبُكَاءِ وَالنَّوْحِ….».
وفى «المَسيحية»، نجد «السيد المسيح» صام أربعين يومًا وأربعين ليلة فيذكر عنه الإنجيل: «فَبَعْدَمَا صَامَ أَرْبَعِيْنَ نَهَارًا وَأَرْبَعِيْنَ لَيْلَةً، جَاعَ أَخِيْرًا»، وفى تعليمه عن الصَّوم: «وَمَتَى صُمْتُمْ فَلاَ تَكُونُوا عَابِسِينَ كَالْمُرَائِينَ، فَإِنَّهُمْ يُغَيِّرُونَ وُجُوهَهُمْ لِكَيْ يَظْهَرُوا لِلنَّاسِ صَائِمِينَ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ. وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صُمْتَ فَادْهُنْ رَأْسَكَ وَاغْسِلْ وَجْهَكَ، لِكَى لاَ تَظْهَرَ لِلنَّاسِ صَائِمًا، بَلْ لأَبِيكَ الَّذِى فِى الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِى يَرَى فِى الْخَفَاءِ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَة»، وهكذا تسلَّم الرسل من «السيد المسيح» أن يصوموا فقيل عنهم: «وَبَيْنَمَا هُمْ يَخْدِمُونَ الرَّبَّ وَيَصُومُونَ…».
وفى «الإسلام»، نجد في سورة «البقرة»: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، وأيضًا: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. وفى حديث قدسى: [كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ، قال الله تعالى: «إِلاَّ الصَّوْمَ، فِإِنَّهُ لِى، وَأَنَا أُجْزِى بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِى...].
ونجد أيضًا الصَّوم في العبادات الأخرى، ودَوره في السيطرة على الجسد وتحرُّر للروح، فمثلًا الزعيم «غاندى» لم يكُن يأكل سوى الأطعمة النباتية، وكان يصوم فترات طويلة نوعًا من التنقية الذاتية والارتقاء الروحى، ولاجتياز المشكلات التي كانت تعترضه. كذٰلك يؤمن البوذيُّون بأن الصَّوم يخلق نوعًا من الانضباط للمساعدة على التأمل والصحة الجيدة، كما أنه وسيلة لتطهير الذات الإنسانية، وتحرير العقل الإنسانى من الأوهام والأساطير، ومساعدة النفس على كبح شهواتها وأطماعها وتحقيق سكينتها وصفائها الذهنيّ. وهكذا نجد دائمًا فلسفة قوية تؤكد أهمية الصَّوم للإنسان.

الجناحان
الصَّوم هو عمل يتقدم به الإنسان إلى الله ليسأل مراحمه. ويكون الصَّوم دائمًا مقرونًا بالصلاة والصدقة إذ قيل إن الصوم له جَناحان: أحدهما الصلاة، والآخر الصدقة.

عمَل الصَّوم
إن الإنسان الصائم يجد أن فترة صومه هي فرصة مناسبة للصلاة والاقتراب إلى الله بالحديث معه، فيبارك اسم الله ويسبحه ويُجلِّه، وبذلك تكون فترات الصوم أوقاتًا تزداد فيها الصلوات سواء على مستوًى شخصى، أو جماعى في دُور العبادة.
وهذه الفترات أيضًا يبحث فيها الإنسان عن الهدوء والاختلاء بنفسه، وهذان بدورهما يساعدانه على فحص ذاته واكتشاف عيوبها وتنقية أعمالها، فيقدِّم توبة عن كل ما صدر منه ويغضب الله، مفكرًا في اصطلاح أخطائه، ومن ثَم تصبح فترة الصَّوم نهاية لأخطائه وبداية لسلوكه في طريق التوبة. وهكذا يقترن الصَّوم بالتوبة التي تجلُب على الإنسان مراحم الله وشفقته، وتنطلق به في طريق الخير والصلاح.
أيضًا يُعتبر الصَّوم وسيلة للإنسان يتنازل بها عن رغباته مسيطرًا عليها، فالإنسان الذي يتمكن من السيطرة على احتمال مشاعر الجوع التي يشعر بها في أثناء صومه مستمرًّا فيه، يدرب نفسه، ويُعلى عزيمته وقدرته على الاحتمال، فيكون أكثر قوة واحتمالًا. ولذا يكون الصوم ضبطًا للنفس في: الأفكار، والحواس، والمشاعر، وتقوية للروح وإرادتها حيث يتوقف الإنسان عما تشتهيه نفسه وبذلك يرتفع بها، وهو ما يساعده على التغلب على ما يمكن أن تشتهيه نفسه يومًا ما.
وفى الصَّوم، تفيض مشاعر الإنسان بالرحمة على الآخرين، فحين يصوم يشعر بألم الجوع ومشاعر الحرمان، ما يجعله يشعر بآلام وحاجات المساكين والفقراء، فيسارع إلى مساعدتهم بكل ما أوتى من قوة في محبة كاملة. أتذكر قصة قرأتُها عن أحد الأشخاص أُجريت له عملية جراحية في ساقه وبُتر نصفها. وبينما هو في غرفته، إذ يسمع صراخًا شديدًا آتيًا من مريض آخر يرقد على مقربة منه اكتشف أن ساقه قد بُترت. علا صراخ المريض أكثر، ولم يستطِع أحد تهدئته إلا ذلك الزميل المبتورة ساقه، إذ قد ارتدى جهاز القدم الصناعية المخصوص لسيره، وظل يتحرك بها أمام المريض المصدوم حتى يُشعره بأنه سيمكنه السير مثله بطريقة طبيعية يومًا ما متى استخدم جهازًا صناعيًّا هو الآخر. وبالفعل استطاع الرجل أن يهدأ، شاعرًا ببعض من الراحة خففت من آلامه النفسية. إنه في كل أمور الحياة، أكثر الأشخاص جدارة على مساعدة أولئك الذين تعتريهم أزمات وضيقات هو من مرت به أمثال تلك الأزمات مجتازًا إياها بنجاح. وحينما تصوم، فأنت تعرف مشاعر من لا يشبع وتقدر آلامه، فتُسرع إلى عمل ما يفرِّح قلبه، وبذلك يقترن صومك بعمل الخير النابع من قلبك.
ويعتقد بعض الناس أن الصوم يضر بصحة الإنسان، إلا أنه أمر غير صحيح بالمرة، فالصوم هو فترة راحة للجسد وأجهزته، فمن الناحية الجسدية نجد أن فترة الصَّوم هي فترة تنقية للجسم من سُموم الأغذية، لأن الإكثار من الأطعمة، وبخاصة تلك التي تحتوى على الدُّهون، تؤدى إلى إصابة الإنسان بأمراض كثيرة، ومن ثَم الصيام يساعد بدرجة كبيرة في تخفيف تعرض الجسم لما يؤذيه من طعام يؤثر في أعضائه تأثيرا سلبيًّا، وبخاصة الإمعاء والكبد والمرارة.
وأختِم بكلمات لمثلث الرحمات البابا «شنوده الثالث» عن الصوم فيقول: «فترة الصوم هي أيام يقترب فيها الناس إلى الله، ويشعرون بقرب الله منهم، يستمع إلى حنينهم وإلى أنينهم. ويعمل… إن صراخ القلب إلى الله يمكن أن يصدر في أيّ وقت، ولكنه في فترة الصوم يكون أعمق وأصدق، ويكون أقوى». أهنئكم جميعًا بالصَّوم، وليقبل الله أصوامنا وصلواتنا، وليحفظ بلادنا في أمن وسلام و… وعن مصر الحلوة الحديث لا ينتهى…!

الأسقف العام رئيس المركز الثقافى القبطى الأرثوذكسى

التعليقات