مصر الحلوة 114 – «النائب العامّ»– 5/7/2015

مصر الحلوة 114 – «النائب العامّ»– 5/7/2015

   سلسلة من إراقة الدماء بدأت في مارس ١٩٤٨م عندما اغتالت يد الإرهاب المستشار «أحمد الخازندار»، وفى ديسمبر من العام نفسه اغتيل رئيس الوزراء «محمود باشا فهمى النقراشى»، وهى اليد نفسها التي حاولت اغتيال الرئيس المِصرى «جمال عبدالناصر» في عام ١٩٥٤م، كما اغتالت الشيخ «مُحمد حسين الذهبى» وزير الأوقاف وشُؤون الأزهر في عام ١٩٧٧م. ولم يتوقف سيل الدماء، بل في أكتوبر ١٩٨١م اغتيل الرئيس المِصرى «مُحمد أنور السادات»، وفى ١٩٩٢م امتدت إلى المفكر المِصرى د. «فرج فودة». ومحاولة اغتيال فاشلة تعرض لها الأديب المِصرى العالمى «نجيب محفوظ» في أكتوبر ١٩٩٥م، تلتها حادثة الأقصر الإرهابية في عام ١٩٩٧م. كما اغتيل السفير المِصرى في العراق عام ٢٠٠٥م، والسفير الأمريكى في ليبيا في ٢٠١٢م. ولم تتوقف أحداث القتل بيد الإرهاب الآثمة بل انتشرت في العالم تغتال كل ما تصل إليه: فتقتُل الأقباط والأثيوبيِّين في ليبيا، وتقتُل الفرنسيِّين في «باريس»، وتقتُل الطيار الأردنى «معاذ الكساسبة». وفى صباح الاثنين الماضى، شهِدت «مِصر» حادثا مروعًا استهدف موكب النائب العامّ المِصرى المستشار «هشام بركات» ليستمر مسلسل الدماء ويُغتال صوت الشعب.

من هو «النائب العامّ» المِصرى؟
   «النائب العامّ» هو ببساطة شديدة «رجل الشعب»، هو من يدافع عن حقوق أفراده، إنه محامى الشعب الذي يسعى نحو تحقيق العدالة له ورفع أي ظلم عن كاهله، إنه من يحقق لأفراده الحريات المنشودة سواء على أرض الوطن يعيشون أو خارجه. وهكذا فحدوث أي جريمة يكون أحد أطرافها مِصريًّا، في «مِصر» أو خارجها، يكون للنائب العام الحق في تحريك الدّعوى الجنائية فيها أمام القضاء.
   والنائب العامّ هو من يحمى ممتلكات الشعب والوطن، من الغادرين، والمجرمين، وكل من تسول له نفسه أن يخون الوطن أو يُفسده. إنه الإنسان الذي يعيش من أجل الشعب ويستمد سلطته منه. وكذلك أيضًا هو من يساند الحقوق والحريات لجميع الموجودين على الأرض المِصرية من غير المِصريِّين، جميع الحريات التي كفلها القانون: حرية التنقل، حرية الفكر والعقيدة، حرية الحياة الآمنة. وحال حدوث أي تعدٍ، يحقق النائب العامّ في التعديات بصفته وكيلًا عن المجتمع، ويُحيل الدعوى ضد المعتدى.
   وفى الهرم الوظيفى، النائب العامّ هو رأس جهاز النيابة العامة التي تمثل المجتمع وترعى المصالح العامة، وفى الأغلب يكون على درجة وزير، وأحد أعضاء المجلس الأعلى للقضاء، ومسؤوليته الوظيفية تكون أمام رئيس الجمهورية مباشرة بعد أن يؤدى اليمين أمامه، ويكون وجوده في دار القضاء العالى، ولا يملِك أحد إقالته.

اسم «النائب العامّ»
ويأتى اسم «النائب العامّ» من كونه نائبًا عامًّا عن المجتمع، فالنائب هو الشخص الذي ينوب عن آخر في أمر ما، وهكذا النائب العامّ هو الشخص الذي ينوب عن الشعب والدولة في جميع النزاعات أمام القضاء، وفى تحريك الدعوى الجزائية والادعاء بها أمام المحكمة المختصة، ومتابعة سيرها حتى يصدُر فيها حكم باتّ، وذلك من خلال توكيل هذه الأمور إلى وُكلائه أو وُكلاء النيابة، وبذلك يُصبح هو طرفًا عوضًا عن الشعب في النزاعات المُختص بها مصالح الشعب، فسلطاته من الشعب ولأجل الشعب.

تاريخ النواب العامِّين في «مِصر»
   مع نهاية القرن التاسع عشَر، عرَفت «مِصر» أول نائب عام لها في عام ١٨٨١م «إسماعيل باشا يسرى». وجاء النائب العامّ الثانى أجنبيًّا وهو «بنسون ماكسويل» وذلك عام ١٨٨٣م. ثم جاء «إيموند وست» نائبًا عامًا مدة عام وحل محله «لوجول» الذي قضّى في هذا المنصب ست سنوات حتى عام ١٨٩٥م. وعاد المنصب إلى المِصريِّين مع «إسماعيل باشا صبرى» الذي خلفه الإنجليزى «كوربت بك» أحَد عشَر عامًا. وفى عام ١٩٠٨م، جاء «عبدالخالق باشا ثروت» ليستمر المنصب مِصريًّا خالصًا حتى وقتنا هذا.
ومن أشهر القضايا التي ارتبطت بمنصب «النائب العامّ»، قضية مقتل «أمين باشا عثمان» قبل ثورة ١٩٥٢م التي اتُّهم فيها الرئيس «السادات»، لكن المستشار «عبدالرحمن الضوير» أثبت براءته.

أشهر النواب العامِّين

■ المستشار «عبدالرحيم غنيم»
وقد اشتُهر بتوليه التحقيق في قضية «حريق القاهرة» في يناير ١٩٥٢م، وعاصر قيام الثورة. وقد حاول الضباط الأحرار إقناعه بالاستقالة لكنه رفض، وتمسك بحقه القانونى في ممارسة مهام عمله باعتباره جهة منفصلة مستقلة. فلَجَأوا إلى حيلة قانونية وهى رفع الدرجة المالية لمنصب «رئيس محكمة الاستئناف» لتتساوى هي ومنصب «النائب العامّ»، وهكذا يمكنهم نقل «النائب العامّ» من منصبه إلى «محكمة الاستئناف» باعتباره على الدرجة نفسها، وتمكنوا من إبعاده عن منصبه.

■ المستشار «مُحمد عبدالسلام»
مع أن الخلافات بينه وبين الرئيس «عبدالناصر» شديدة، إلا أنه لم يقُم بإدانة «عبدالناصر» في قضية مقتل المشير «عبدالحكيم عامر» بل أكد أنه لا يمكنه أن يقتُله. وقد استغاثت ابنة أحد المقبوض عليهم به، فقام بزيارة مفاجئة إلى السجون العسكرية، وقال للضباط: «أنا النائب العامّ لكل المِصريِّين: المدنيِّين منهم، والعسكريِّين».

■ المستشار «على نورالدين»
كان النائب العامّ في أيام حكم الرئيس «أنور السادات» الذي أصدر قرارًا فيما بعد بإقالته عن منصبه في بداية السبعينيات من القرن الماضى، ليكون النائب العامّ الوحيد الذي أُقيل بقرار من رئيس الجمهورية مباشرة.

■ المستشار «ماهر عبدالواحد»
النائب العامّ المِصرى من ١٩٩٩ إلى ٢٠٠٦م، ورئيس «المحكمة الدُّستورية العليا المِصرية» حتى الثلاثين من يونيو ٢٠٠٩م. وقد ارتبط اسمه بالتصريحات التي قدَّمها في القضايا المتعلقة برد أموال المُودِعين وتوظيف الأموال التي اشتُهرت آنذاك.

■ المستشار «عبدالمَجيد محمود»
تولى منصب «النائب العامّ» في فبراير ٢٠٠٦م، وقام بالتحقيق مع الرئيس الأسبق «مبارك» ورجاله. وقد عزله الرئيس الأسبق «مُحمد مرسى». إلا أنه يُذكر له طلبه تعديل قانون العقوبات المِصرى، وإضافة فِقرة تُشير إلى اختصاص السلطات المِصرية: بجرائم الجنايات خارج القطر التي تهدد حياة المواطن المِصرى أو حريته، وحماية ممتلكاته.

■ المستشار «طلعت إبراهيم»
تولى منصب «النائب العامّ» في ٢٠١٢م بقرار من الرئيس الأسبق «مُحمد مرسى» بعد إقالة المستشار «عبدالمَجيد محمود».

■ المستشار «هشام بركات»
تولى المستشار «هشام مُحمد زكى بركات» منصب «النائب العامّ» المِصرى الحالى في العاشر من يوليو ٢٠١٣م وهو أحد القضاة المدافعين عن استقلال القضاء المِصرى، وقد أدى اليمين الدُّستورية قدام الرئيس السابق المستشار «عدلى منصور».
وُلد «هشام بركات» في الحادى والعشرين من نوفمبر ١٩٥٠م. تخرج في كلية الحقوق عام ١٩٧٣م. وهو متزوج ولديه ثلاثة أبناء. عُين معاونًا للنيابة العامة، وتدرج في المواقع المتعددة للنيابة العامة، وعمِل بالقضاء في المحاكم الابتدائية، ثم الاستئناف. كان رئيسًا للمكتب الفنى لـ«محكمة الاستئناف» بالإسماعيلية، ثم رئيسًا للمكتب الفنى لرئيس «محكمة الاستئناف» بالقاهرة. صدر في عهده أحكام بالإعدام في قضيتَى «اقتحام السُّجون» و«التخابر». واستُشهد في شهر رمضان ١٤٣٦هـ الموافق يونيو ٢٠١٥م.
رحِم الله شهداء «مِصر»، ووهب الصبر والعزاء لأسرهم. وحفِظ الله «مِصر» وصانها من كل شر، و… وعن مِصر الحُلوة الحديث لا ينتهى…!

الأسقف العام رئيس المركز الثقافى القبطى الأرثوذكسى

التعليقات