مصر الحلوة 117 – «التحدى» – 26/7/2015

مصر الحلوة 117 – «التحدى» – 26/7/2015

   أيام قليلة تفصلنا عن تحقيق حُلم من أحلامنا، واحد من أضخم المشروعات التي عرفتها «مِصر» في تاريخها الحديث: «قناة السويس الجديدة»، ذلك المشروع العملاق الذي يتطلب تنفيذه حسب رؤية بُيوت الخبرة العالمية قرابة الخمس سنوات. لتحقق الأيدى المِصرية المتكاتفة، المتوحدة في الهدف، الممتلئة قلوبهم بمحبتهم الشديدة لبلادهم، ما يعجز عنه الآخرون، ولتتردد كلماتهم كما ترددت سابقًا: «ما هو الجديد؟ المِصريُّون يصنعون التاريخ كعادتهم»!
   وكما تفصلنا عن إنجاز ذلك المشروع أيام قلائل قادمة، فقد فصلتنا عن احتفالنا بذكرى «ثورة يوليو» عام ١٩٥٢م أيام قليلة ماضية، تلك الثورة التي حينما تتردد أصداء ذكراها، تمر بخاطرى مشهد شعبنا الأبى العظيم وهو يصنع بحياته ودمائه «قناة السويس»، لتُسرق منه فيستعيدها مع ثورته البيضاء. وحينما تتلاحم الأحداث وتتشابك لتخُط مصير بلاد وشعوب، فهى أيضا تعكس من أعماقها سمات شعوب تلك البلاد وميزاتها، ولذلك نجد المِصريِّين:

شعبًا إن أراد فعل
لم يتمكن أبناء هذا الشعب من القوات المسلحة المخلصين لهذا البلد العظيم، بعد هزيمة ١٩٤٨م، وازدياد الانهيار والتصدع الذي يجتاح المملكة المِصرية إثر الفساد المستشرى حينذاك، أن يصمُتوا، فقد حوصر الرئيس «جمال عبدالناصر» ومعه «عبدالحكيم عامر» من الضباط مع كتيبته في أثناء الحرب في جنوب «فلسطين»، وقد ألَّفوا مع زملائهم من الضباط مجموعة «الضباط الأحرار» الذين ثاروا على فساد المَلك وتخاذله المتسببَين في هزيمة ١٩٤٨م.
   لقد اتحدت قلوبهم وأفكارهم وقدراتهم على مساندة الشعب الذي تعرض لظلم وهوان فاق أفكار البشر وتخيلاتهم. فبدأوا في التحرك للتصدى للطغيان ليُعلنوا أن المِصرييِّن لا يعيشون أبدًا في هوان، وإن صمتوا فإلى حين، لتسرى ثورة تفُك قيودًا وتكبيلات في سنوات طويلة مضت حملت ظلمًا وظلامًا، لتُشرق معها شمس فجر جديد يحمل الحرية. وقد عبرت كلمات بيان الثورة عن تلك الفترة العصيبة التي مرت بالشعب: «اجتازت مِصر فترة عصيبة في تاريخها الأخير من الرِّشوة والفساد وعدم استقرار الحكم… فقد تضافرت فيها عوامل الفساد، وتآمر الخونة على الجيش، وتولَّى أمره إما جاهل، أو خائن، أو فاسد، حتى تُصبح مِصر بلا جيش يحميها». ومع أن ذلك المشهد كان حالك السواد، إلا أن الأمل كان ولايزال يسرى من أجل خير البلاد، وبهذا المعنى تابع البيان: «وعلى ذلك، فقد قمنا بتطهير أنفسنا، وتولَّى أمرنا في داخل الجيش رجال نثق بقدرتهم وبخُلقهم وبوطنيتهم… وإنى أؤكد للشعب المِصرى أن الجيش اليوم كله أصبح يعمل لمصلحة الوطن، في ظل الدُّستور، مجردًا من أية غاية». وهكذا يعمل دائمًا أبناء «مِصر» المخلصين لمصلحة وطنهم ومنفعة أبناء شعبهم. ثم جاء حُلم السد العالى لخير «مِصر»، ليحمل هذا الحُلم ما قد فُقد منذ القدم منا، ولتعود معه «قناة السويس» درة العالم بأسره.
   تعود القناة إلى «مِصر»، وتأتى معها تحديات جِسام جديدة تحاول انتزاع جزء أصيل منا. فيتكاتف الشعب خلف قيادته، دون انحناء أو تراجع أو استسلام أو تسليم، فـ«قناة السويس» مِصرية ولن تكون إلا مِصرية. ويتجلى الشعب في الدفاع عن القناة ضد قوى العالم العظمى التي تريد انتزاعها. وحتى اليوم، ومع أن عشرات العقود من الأعوام قد مرت على العُدوان الثلاثى، إلا أن قِصص البطولات التي رسمها الشعب المِصرى على صفحات التاريخ لاتزال تشهد حب هذا الشعب لكل ذرة تراب من هذا البلد العظيم. فهاهى «بورسعيد»، و«السويس»، و«الإسماعيلية» تتعرض لقصف ونيران وهجوم، فلا تجد إلا أبناءها وبناتها وهم متصدون لكل من تسوِّل له نفسه التعدى على «مِصر».
   وقصة «قناة السويس» لم تنتهِ بعد، إذ يبدأ فجر جديد يحمل معه صراعا جديدا. إلا أن صراع اليوم هو صراع وتحدٍّ ضد الزمن بالعمل، لإنجاز جديد في تحقيق حُلم «قناة السويس الجديدة»، إنه التحدى الذي أذهل العالم، تحدى العمل والصعود نحو قمم النجاح ليؤكد أن شعب «مِصر» إن أراد فعل، شعب لا تَكسِره المِحن أو العواصف أو الظروف العصيبة، شعب يؤمن أنه في يد الله جل جلاله مايزال يبارك بلاده وخَُطواته وكل ما عمِله لأجل هذا البلد، كما باركه في السابق.

شعبًا إن فعل أبدع
لم يحظَ بلد آخر على وجه المسكونة بمثل ما حظِى به المِصريُّون من تقدم وعلم، وحضارة أبرقت فيمن حولها على ظلام دامس كان يغُط فيه العالم، فخط هو خطواته في الحياة نحو الحضارات والتقدم على شعاع الحضارة المِصرى وهَدْيها! إن «مِصر» حملت ذلك التفوق الحضارى، والاجتماعى، والعلمى الذي ساد العالم قرونًا طوال ومايزال كثير من أسراره مختفيًا يسعَون لاكتشافه حتى اليوم. إن «مِصر» لها مكانتها بين بُلدان العالم، وكان لمدينتها «الإسكندرية» مركز لا يضاهَى في العلم والتجارة، فكانت محط أنظار العلماء والمثقفين وكل طالب علم.
   إن صفحات التاريخ لتفخر بـ«مِصر» وشعبها العظيم الذي قدَّم دُروسًا إلى العالم منذ القدم، فقارئ التاريخ لا يسعه إلا أن يقف متعجبًا من الأحداث والضُّغوط والكبوات والإنجازات التي عبرت بهذا البلد. إن «مِصر» بأبناء شعبها ظلت على مر العصور والأزمان تتبوأ أرفع المكانات، حتى إنها صارت مطمعًا لكل من رغِب في السيطرة على العالم؛ هكذا كانت، وهكذا تظل، أبيةً شامخة. إلا أن هذا لن يتسنى لنا إلا من خلال العمل الجاد والرغبة المخلصة في الوصول إلى القمم التي لا يحركها إلا محبة هذا الوطن العظيم، وإننا لَقادرون بمؤازرة الله!
   إننا بالعمل نقترب إلى الأهداف التي تلوح لنا في الأفق فتتحول إلى حقيقة وواقع كما كانت «قناة السويس» قديمًا حُلمًا تحقق بأيدٍ مِصرية وأضحى واقعًا حيًّا ملموسًا. وها نحن ذا بعد أيام معدودات، نفرح معًا بافتتاح مشروع «قناة السويس الجديدة» ليبزُغ فجر حُلم جديد بمشيئة الله. بل إننا بالعمل يمكننا أن نحقق مزيدا ًمن الإنجازات والإعجازات سيقف إزاءها العالم مشدوهًا مبهورًا. إن الطريق لايزال أمامنا طويلًا من أجل صنع كثير، وتقديم مزيد لبلادنا وإلى العالم، فدَور «مِصر» في صنع التاريخ لم يتوقف قط ولن ينتهى أبدًا!
كل عام وجميعكم بخير في ذكرى «ثورة يوليو»، وكل عام والعالم بخير في استقباله «قناة السويس الجديدة»، و… وعن مصر الحلوة الحديث لا ينتهى…!

الأسقف العام رئيس المركز الثقافى القبطى الأرثوذكسى

التعليقات