مبادئ – «عتاب رقيق» – 31/10/2015

مبادئ – «عتاب رقيق» – 31/10/2015

   تلقيتُ رسالة من أحد القراء الأعزاء الذي أود أن أشكره على مراسلته إياي؛ يقول فيها: “السيد المحترم نيافة «أنبا إرميا» … أتابع مقالاتك بجريدة أخبار اليوم تحت عُِنوان «مبادئ»، التي تُقدم من خلالها مبادئ أعتقد ـ وإن كنتُ أسألك أن تسامحني فهٰذا ما أراه ـ أنه لم يعُد لها وجود في عالمنا اليوم … أين الحكمة، والأمانة، والعدل، والرحمة، والكرم … إلخ؟ فالمبادئ، يا نيافة الأنبا، لم يعُد لها وجود على أرض الواقع أو في نفوس البشر، بل أصبحت جزءًا من ماضٍ جميل كان يتحلى به البشر وفقدوه … وأين هو الإنسان الذي ينفذها الآن؟ في هٰذه الأيام التي نعيشها، يفشل ويفقد كل شيء …”.
   جذبت الرسالة انتباهي إلى ما تحمله من اتجاه يسري بين البشر: أن المبادئ والخير لم يعُد لهما وجود في هٰذا الزمن. وقد نتفق أنا والقارئ العزيز في أن التغير الذي طرأ على العالم والاتجاه نحو المادية قد أفقدا كثيرين الشعور بأهمية المبادئ في حياة الإنسان. بل إن هناك من البشر من اعتبروا المبادئ عائقـًا عن النجاح!! وهٰذا جعلهم يتخلَّون عنها في اعتقاد منهم أن المبادئ ما هي إلا سمة من سمات ماضٍ عتيق وموروثات لا تلائم العصر. ولٰكن ما يجب أن نُدركه: أنه ما يزال عدد ليس بقليل من البشر يؤمنون بأهمية وجود المبادئ في حياة الإنسان، وفي ضمير العالم، إذ إن آثارها في البناء والتقدم محفور؛ كما أن هناك إيمانـًا شديدًا بأن هٰذه المبادئ تحفظ العالم من الانهيار والدمار.
   أمّا من لا يعترف بوجود المبادئ أو بأهميتها لحياة الإنسان، فهو بمنزلة إنسان فقد بصره ولم يعُد يرى الشمس، فهل يعني هٰذا أنها اختفت من الوجود؟! ألا يشعر الإنسان بدفء الشمس متى حجبتها السحب؟ إذًا، المشكلة تكمن في أعماق البشر: فالذين يرفضون المبادئ والسير على هديها وخطاها، هم أناس يرغبون في الوصول إلى قمم النجاح في الحياة دون تسلق الجبال أو بذل التعب والجهد.
   لقد خُلق الإنسان في الحياة وهو يحمل رسالة لتنفيذها، وقدَّم الله إليه من خلال وصاياه طرق الخير التي تؤدي إلى النجاح له وللعالم؛ والابتعاد عن هٰذه الوصايا مثل: العدل، والحكمة، والتعاون، والأمانة، والإخلاص، والإصرار … إلخ، التي جميعها مبادئ تحمل الخير للإنسان والعالم، يُعد تخليـًا عن عوامل النجاح والبناء. أمّا استخدام الطرق الملتوية في الحياة، فإن أظهرت نجاحـًا في بادئ الأمر لٰكنها لا تقود إلا إلى الفشل والدمار، لأنها لا تحمل في دروبها البركة المودَعة من الله في وصاياه من أجل الارتقاء والتعمير.
   وفي الحياة، الجميع أمامهم الطريقان: أن يسلكوا بمبادئ الخير أو بدونها، أن يعملوا بتفانٍ لأداء رسالاتهم مساندين بعضهم بعضـًا بالتشجيع والتعاون، أو أن يعملوا من أجل ذواتهم بعضهم على حساب بعض بالكسر والتحطيم. وفي النهاية، سيحاسَب كل إنسان عن اختياراته. لذٰلك علينا أن نُدرك خطورة الطريق الذي نسلك فيه، ومن ثَم يصر كل إنسان على اتباع ضميره والحال الذي يرغب في أن يصبح عليه في الحياة؛ وهٰذه أصعب معارك الحياة، فإن الكاتب المسرحي الإنجليزي “وليم شكسبير” يقول: “أصعب معركة في حياتك، عندما يدفعك الناس إلى أن تكون شخصـًا آخر.”، أيْ بعيدًا عن مبادئك، وأصالتك، وما تعلمتَه في حياتك. عزيزي: اعمل على أن تكون وتحقق ما تريده أنت، سائرًا وثابتـًا في طريق الخير والمبادئ وإن لم يرَه الآخرون أو يقدروه أو يقدروك! لا تتغير ولا تتلون ولا تتبدل، فكما يقولون: “لا يُهِم ما يبدو عليه شكلك الخارجيّ، المهم حقـًّا هو ما بداخلك.”.

الأسقف العام رئيس المركز الثقافيّ القبطيّ الأُُرثوذكسيّ

التعليقات