مصر الحلوة 137 – «أكان عصراً ذهبياً؟» – 3/1/2016

مصر الحلوة 137 – «أكان عصراً ذهبياً؟» – 3/1/2016

   أهنئكم بـ«عيد الميلاد» الذى يحتفل به مَسيحيّو الشرق بعد أيام قليلة. ونصلى إلى الله أن تتمتع بلادنا المحبوبة «مِصر»، و«الشرق الأوسط»، والعالم بأسره، برسالة السلام والفرح التى أنشدتها الملائكة فى الميلاد: «… وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة».العالم قبل الميلاد

   كانت القوتان السياسية والعسكرية فى العالم هما «للرومان»، فقد اتسعت الإمبراطورية فى كل العالم؛ إذ تملكت كل الأراضى المقدونية فى الشرق، وبلاد «الإغريق» فى «اليونان»، وأصبحت حُدود الإمبراطورية الرومانية: من «إسبانيا» غربـًا إلى السواحل الغربية لآسيا الصغرى شرقـًا، إضافة إلى الأراضى القرطاچية فى شمال «أفريقيا». وقد وصل أقصى امتداد لها فى عصر الإمبراطور «تَراجان» فبلغت قرابة ٦٤‚٣% من نسبة مساحة الأرض فى عام ١١٧م.

«أُغسطس قيصر» (٢٩ ق. م.-١٤م)

   يمكن اعتبار العام الرابع والأربعين قبل الميلاد هو بداية الإمبراطورية الرومانية مع إنشاء النظام الإمبراطورى فى «روما» وإعلان «يوليوس قيصر» لنفسه إمبراطورًا على «روما». وفى ذٰلك الحين، كانت «مِصر» من أعظم الدُّول قوة بل أهمها، وقد صارت «مِصر» وِلاية رومانية بعد انتصار «أوكتاڤيوس» على «أنطونيوس» وانتحاره، ثم انتحار «كليوباترا» فى العام الحادى والثلاثين قبل الميلاد، فأصبح «أوكتاڤيوس» قيصر «روما»؛ وقد بَهَرت انتصاراته العظيمة «الرومان» ما أدى إلى تنازل مجلس الشُّيوخ عن جميع سلطاته إليه؛ وبذلك آلت إليه السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية والعسكرية مجتمعةً. وفى العام السابع والعشرين قبل الميلاد، أعطى مجلس الشُّيوخ «أكتاڤيوس» لقب «أُغسطس» ـ الذى يُخصص للآلهة ـ وقد لُقب الأباطرة بـ«قيصر» ـ فأضحى يسمَّى «أُغسطس قيصر»؛ ثم اعتبره مجلس الشُّيوخ إلٰهـًا، وأضاف اسمه إلى أسماء الآلهة الرسميِّين لـ«روما»، وغدا يوم ميلاده يومـًا مقدَّسـًا تقام فيه الطُّقوس لعبادته والتوجُّه إليه بالصلوات والترانيم، وكانت تقدَّم إليه الهدايا والقرابين من الشعب فى عيد رأس السنة. وانتشرت عبادة «أُغسطس» فى الولايات الرومانية، حتى إن فى بعضها أمست عبادته هى الديانة الرسمية، وكان كهنة يُدعَون «الأُغسطسيِّين» لخدمة مذبحه!!

   ويذكر بعض المؤرخين عن «أغسطس» أنه كان نحيف الجسم، غير متناسق التقاطيع، سقيم البنية إذ يشكو أمراضـًا عديدة ويتعثر فى مشيه بسبب داء فى ساقيه. إلا أنه كان يُطلق العِنان لشهواته، ومُجونه، مرتكبـًا أفظع الجرائم دون رحمة! وهو ما جعله مثالاً صادقـًا وصارخـًا للحاكم الرومانىّ.

   وكان يسود الإمبراطورية الرومانية النظام الرأسمالىّ، فسيطر عليها كبار الأغنياء من أعضاء مجلس الشُّيوخ والفُرسان، وكان الإمبراطور هو الرأسمالىّ الأول فى الدولة. وقد أخذ الأثرياء فى «روما» يتزايدون فى عهد «أغسطس»، كما تزايد الفساد والانحطاط الخُلقى، وأصبحت العَلاقات غير الشرعية هى السائدة، حتى سارع «أُغسطس» قيصر إلى إصدار سلسلة من التشريعات كمنع الزنى بقانون، وجعل الزواج مفروضـًا بحكم القانون على كل الصالحين له من الرجال والنساء، وإلا تعرضوا لعقوبات صارمة كالحرمان من الميراث والحرمان من مشاهدة الحفلات والأعياد العامة. وكانت له ابنة وحيدة تُدعى «چوليا» ملأت «روما» بأخبار زناها وخيانتها لأزواجها المتعاقبين، وانتقالها من عشيق إلى عشيق، وعربدتها، ما اضطَر أغسطس إلى أن يُبعدها هى وابنتها التى سلكت مثلها عن «روما». وفى عهد «أغسطس»، وُلد السيد المسيح فى «بيت لحم» بفِلَسطين.

«طيباريوس قيصر الأول» (١٤م-٣٧م)

   تولى «طيباريوس قيصر الأول» الحكم وإدارة شُؤون «روما» بعد موت «أُغسطس قيصر» فى العام الرابع عشَر الميلادىّ. وقد ظهر عنفه وكبرياؤه بعد توليه حكم الإمبراطورية، حتى كرِهه أفراد الشعب وتمنَّوا التخلص منه؛ لذا اعتكف فى إحدى الجزر القريبة من «روما» حولها إلى مقبرة؛ وكان متى أراد التخلص من أىّ شخص، طلب إليه الحضور إلى هٰذه الجزيرة، ثم أمر بقتله. وقد ظل على هٰذه الحياة المنعزلة إلى أن قام عليه أحد الأمراء وقتله، وكان ذٰلك فى العام السابع والثلاثين الميلادىّ. ومن الأحداث الهامة فى زمن حكمه حدث «صلب السيد المسيح وقيامته».

فِلَسطين تحت الحكم الرومانىّ (٦٣ ق. م.-٦٣٨م)

   دخل القائد الرومانى «بومبى» إلى «أورُشليم» فى العام الثالث والستين قبل الميلاد؛ وهٰكذا صار اليهود خاضعين لحكم الرومان. وقد أدت قساوة الحكم الرومانىّ التى كان اليهود يئنون تحت وِطأتها إلى ترقبهم مجىء «المَسِيّا المنتظَر».

«هيرودُس» الملك

   كان «هيرودُس الكبير» هو الحاكم من قِبل قيصر «روما» على «اليهودية»، وهو صاحب شخصية عاتية قاسية لا تعرف الرحمة طريقها إلى قلبه. وكانت له عَشْر زوجات وأربعة عشَر من الأبناء. وقد سفك دماءً كثيرة نتيجة شكه فى وجود من يتآمر عليه؛ فقتل: زوجته «ماريام» وابنيها، وأخاها، وجَدها، ووالدتها، وابنه البكر «أنتيبار»، وكثيرًا من أصدقائه وأقربائه. وقبل موت «هيرودُس» بزمن قصير، علِم بميلاد السيد المسيح من «المَجُوس» الذين حضَروا من المَشرق حتى وصلوا إلى «أورُشليم»، سائلين عن المولود ملك اليهود، إذ رأوا نَجمه فأتَوا ليسجدوا له؛ ويخبرنا الكتاب أنه: «لما سمِع هيرودُس الملك اضطرب وجميع أورُشليم معه. فجمع كل رؤساء الكهنة وكتبة الشعب، وسألهم: «أين يولد المسيح؟». فقالوا له: «فى بيت لحم اليهودية. لأنه هٰكذا مكتوب بالنبىّ: وأنتِ يا بيت لحم، أرض يهوذا لستِ الصغرى بين رؤساء يهوذا، لأنْ منكِ يَخرُج مدبر يرعى شعبى إسرائيل». فطلب «هيرودُس» من المجوس العودة إليه لإخباره بمكان الملك المولود، ولٰكنهم لم يفعلوا وعادوا من طريق آخر، فأصدر مرسومـًا بقتل جميع أطفال «بيت لحم» وما حولها، الذكور من ابن سنتين فما دون، كى يضمن قتل «السيد المسيح».

   وهٰكذا كان العصر الرومانىّ عصرًا قاسيـًا على الشعوب، وإن تمتعوا بالشجاعة والقوة والعظمة، كما ذكر المؤرخ «چورچ سارتن»: «لم يكُن العصر الذى وُلد فيه المسيح عصرًا ذهبيـًّا.. بل عصر دم ودموع.. عصر قسوة ووحشية»؛ إضافة إلى امتلائه بالفساد والرذيلة، أمّا عن حالة اليهود آنذاك، فقد…

   كل عام وجميعكم بخير فى عام جديد، وأعياد تجمعنا معـًا فى حب «مِصر».

وعن «مِصر الحلوة» الحديث لا ينتهى…!

الأسقف العام رئيس المركزالثقافى القبطى الأُرثوذكسى

التعليقات