مبادئ – «مدرسة الألم» – 28/2/2015

مبادئ – «مدرسة الألم» – 28/2/2015

   “لا شيء يجعلنا عظماء إلا ألم عظيم”؛ كلمات خالدة للكاتب الكبير “توفيق الحكيم” تعيننا على احتمال الألم. قد يكون سعي البشر في هٰذه الحياة، وأحد أهم أهدافهم، هو الهروب من الألم والضيقات، إلا أن هناك آخرين يرَون أن: “الألم هو المؤشر الأكثر صدقـًا على النمو والحياة.”. فمن يعيش لا بد له من أن يتعلم وينمو. والإنسان يكبُر من خلال ما يمر به من تجارِب وضيقات وآلام.

الضيقة تعرِّفك ضعفك
   حين تمر الضيقة بحياة إنسان، فإنها تكون معلِّمه الأول في التواضع والبعد عن الكبرياء؛ فهو يدرك ضعفه، وأنه في احتياج إلى معونة الله، ومساعدة الآخرين. فكم من أناس ظنوا أنهم يستطيعون الحياة بمفردهم، وأنهم لا يحتاجون إلى الآخرين، وحين عبروا جسر الضيقة وشعروا بألمه، أدركوا أن الحياة تحتاج إلى أن يتكاتف الجميع معـًا لعبورها بأكبر قدر من السعادة! فإن الله في حكمته المتناهية لم يخلِق الإنسان ليعيش بمفرده في الحياة، بل ليحيا الجميع معـًا.

الضيقة مصدر خير
   كان لمَلك وزير، كلما حدث أمر، يقول له: إنه للخير. إلى أن تعرض الملك لحادث فقد فيه اثنين من أصابعه. فإذا هو يسمع الوزير وهو يردد الكلمات عينها، ويقول: إنه للخير! فاغتاظ الملك، وأمر بسَجن الوزير. وذات يوم، خرج الملك في رحلة صيد، وفقد الطريق، حتى وقع في يد إحدى القبائل التي تقدم الذبائح البشرية لآلهتها، وقررت تقديم الملك لإلٰهها بقتله. وبينما أفراد القبيلة يستعدون لذٰلك، اكتشفوا فقدانه إصبعين فقرروا إطلاق سراحه؛ لأن به عيبـًا لا يمكن به تقديمه للإلٰه. وما إن عاد الملك إلى مملكته، حتى أخرج وزيره من الحبس؛ فقد أدرك أن كل ألم وضيقة يعبران بحياتنا هما بالفعل للخير. إن المشكلة الحقيقية هي في توحد الإنسان مع الألم حتى يسيطر على أفكاره وقدراته! يقولون: “الألم لا يكون شرًّا ما دام هو لم يسيطر علينا.”. إن سيطرة الألم على الإنسان تمنعه من القدرة على التفكير الصائب في إيجاد حلول إيجابية للابتعاد عن ضيقاته وآلامه، كما تمنعه من استخدام طاقاته وإمكاناته في عبور ما يشعر به. لذٰلك، لا تدَع الألم أو الضيقة التي تعبر بك تسيطر على أفكارك وتصرفاتك بالحزن الذي يقتُل فيك الحياة.
   الألم أيضـًا فرصة لأنْ يرى الإنسان يد الله تعمل معه، وتهب له القوة التي يحتاج إليها لعبور الضيقة؛ يقول أحد الآباء: “من يهرُب من الضيقة، يهرُب من الله.”؛ لماذا؟ لأن الضيقة هي التي تسمح له بأن يري الله وهو يدبر له أموره واحتياجه، وهو يُرسل إليه معونته من خلال البشر أو الظروف؛ وحينئذ، يشعر أن الأمواج التي تمر به في العالم قد تكون شديدة وقاسية ولٰكن الله يعضده ويرفعه فوق مستوى هٰذه الرياح؛ فيحس بالراحة والهدوء يغمران حياته بالرغم من كل الأمور التي يتعرض لها.
   لا تستسلم للألم والضيق في الحياة، بل اعبر الحياة وأنت تثق بأن كل أمورك هي في يد الله، وهو قد منحك في شخصك، أو في الأشخاص الذين تلقاهم، ما تغلِب به أوجاعك. فالأمر يتوقف عليك أنت، وعلى نظرتك في أمور الحياة. كذٰلك عليك إدراك أن ما ترغبه من راحة في حياتك سوف يتحقق بعض منه؛ إذ الحياة لا تحمل في أيامها راحة كاملة لأيّ إنسان، مهما علا شأنه وعظُم قدره. بل الراحة الحقيقية الكاملة تتحقق في السماء.
والراحة الحقيقية هي مسألة نسبية بين البشر و … وللحديث بقية …

الأسقف العام رئيس المركز الثقافيّ القبطيّ الأُرثوذكسيّ

التعليقات