مبادئ – «أساسيات المعرفة» – 28/3/2015

مبادئ – «أساسيات المعرفة» – 28/3/2015

   “المعرفة” هي ما يُدرِكه الإنسان وما يفهمه من حقائق، أو يكتسبه من معلومات؛ من خلال التجربة أو التأمل أو رؤية تجارِب الآخرين. وتعرّفها القواميس بأنها: الخبرات والمهارات المكتسبة من قبل شخص، أو من خلال التجربة أو التعليم؛ أو أنها الفَهم النظريّ أو العمليّ لموضوع. وأيضــًا: مجموع ما هو معروف في مجال معين من حقائق ومعلومات، أو الوعي أو الخبرة التي اكتُسبت من الواقع أو من القراءة أو المناقشة. ويختلف معنى “المعرفة” عن “العلم” في شموليتها واتساع نطاقها عنه.
   ويختلف المفكرون في تحديد المعرفة من كونها جيدة أو شريرة؛ فيعتقد بعضٌ أن هناك معرفة إنسانية تبني حياة الإنسان وتكون سببـًا في نموها، وأن هناك أمورًا تجلُِب له معرفة الشر والخطيئة. إلا أن هٰذه أو تلك تتوقف على طريقة استخدام الإنسان لما لديه من معرفة. وأيضـًا المعرفة في العلوم ليست شرًّا في حد ذاتها بل هي للخير؛ لٰكن أسلوب استخدامها هو الذي يؤدي إلى تحويل الأمور إما تجاه الخير أو الشر؛ فمن المعروف أن اختراع الديناميت كان في بَدئه يهدُف إلى المساعدة في أعمال الحفر والتعدين كـ”تقنية معيارية للتعدين”، إلا أن سوء استخدامه حوَّله إلى قتل مزيد من البشر! لذا، عليك أيها الإنسان أن تقدم معرفتك للخير والبناء، وحينئذ تكون قد ربِحت بها عند الله.
   وللمعرفة أعداء، أخطرهم كما يقولون: “أعظم عدو للمعرفة ليس الجهل، بل وهم المعرفة”! فمن يُدرك أنه جاهل أو أنه لا يعلم بعد، فقد بدأ الطريق إلى المعرفة إذ سيبحث عن تلك الأمور التي يعرِف أنه يجهلها. أمّا من يحيا على وهم أنه يعرِف كل شيء، فلن يبحث ولن يدقق ولن يصل إلى المعرفة الصحيحة معتمدًا على أنه يعرِف! وهٰكذا، عليك أن تبحث دائمـًا، وتدقق في الأمور، حتى إن كنتَ تظن أنك تعلمها تمام العلم؛ فربما مع الأيام تتطور الأمور وتُصبح غير مدرِك إلا بعضـًا منها!
   أيضـًا يجب على من يقدم المعرفة إلى شخص آخر، أن يكون أمينـًا في تقديمها إليه، أن يكون على معرفة وثيقة بما يقدمه لئلا يَهلِك أحد بسببه؛ فكما يقولون: “ادعاء المعرفة أشد خطرًا من الجهل”! ما أصعب أن يدّعي الإنسان علمه بأشياء لا يُدرِكها، أو أنه يدُرك بعضـًا منها فقط! فإن ٰهذا لا ينتج عنه إلا التيه! فكأنما إنسان مسافر في طريق لا يُدرِكه، ويسأل النصح والإرشاد حتى يصل إلى غايته؛ فإذا وجد من يقدم إليه المعرفة الصحيحة وصل، أمّا إذا التقاه مُدّعو المعرفة فقد ضاع منه الطريق، وربما الحياة! لذٰلك، احترس، وأنت تقدم معرفتك، من أن تكون على ثقة وهمية منها؛ لئلا تُضيع أحدًا وتخسَِر نفسك.
   كذٰلك قيل: “يضع العلم حدودًا للمعرفة، لٰكنه يجب ألا يضع حدودًا للخيال”. فإذا توقفت حياة الإنسان عند العلم المتاح له، وعلى معرفته فقط، فلن تتقدم حياة هٰذا الشخص أبدًا. لذٰلك، فإن مساحة من الخيال والآمال التي يرغب في تحقيقها تكون دافعـًا إلى البحث عن مزيد من المعرفة، والاكتشافات التي تطور حياته. فلو لم يحلُم الإنسان بالتحليق في السماء مثل الطيور، أو بالتحدث مع الآخرين عبر مسافات كبيرة، أو بتمكن فاقدي البصر من القراءة والتعلم، أو بتخفيف الآلام عن المرضى … إلخ، ما كانت الحياة لتمتلئ بكل الاكتشافات والاختراعات التي يزخر بها العالم. إلا أن الإنسان يجب أن يعي أن مثل هٰذا الاختراعات، تهدُف إلى خيره وسلامه لا تدمير حياته. فالمعرفة هبة سمح الله بها لك، فدَعها تكون لخيرك يُحسب أمام الله لك لا عليك!

الأسقف العام رئيس المركز الثقافيّ القبطيّ الأُرثوذكسيّ

التعليقات