مصر الحلوة 158 – «الكبير» – 29/5/2016

مصر الحلوة 158 – «الكبير» – 29/5/2016

   تحدثت المقالة السابقة عن سَليل الفراعنة «البابا أثناسيوس الرسولى» الذى عاصر «أنبا أنطونيوس» أب الرهبان وتأثر بتعاليمه فكانت الزاد له فى رحلة الدفاع عن الإيمان، وتدخُّل «أنبا أنطونيوس» وتركه وَحدته لينزل من بريته ليساند تلميذه من أجل أن يتثبت الشعب على الإيمان الصحيح، وليُعلَن الحق لمن يخالفون الحق بأعمالهم مثل «أغريغوريوس الكَبادُوكى» الأسقف الدخيل. كذٰلك عرضنا لدَور «البابا أثناسيوس الرسولى» المؤثِّر فى الغرب أثناء المدة التى أمضاها هناك وقت نفيه، ومؤلفاته التى صارت أهم مصادر اللاهوت فى العالم، واهتمامه الكبير بأمور وَحدة الكنيسة كما بإيمانها المستقيم فكان حصنًا لها من التمزق.
وقد قيل عن «البابا أثناسيوس» المِصرى الأصيل: «صَموئيل الكنيسة»، و«المِنبر الأعظم»، كما قيل فيه:
■ «كان (أثناسيوس) شمس الكنيسة بأسرها، ولسان حالها الوحيد، ونائبها الفَرَْد (الفريد)، واستحق أن يكون ثالث عشَر تلاميذ المخلص»، «الأسقف إيسيذورُس».
■ «إذا وجدتَ كتابًا لـ(أثناسيوس) ولم تجد ورقًا، فانسخه على ثوبك!»، «كزماس».
■ «صاحب القلب الملكىّ المدَّثِّر (المتغطى) بوِشاح (بولُس) المبارَك»، إحدى قصائد أُكسفورد.
ولم تكُن الشهادات التى قيلت فى «البابا أثناسيوس» من داخل الكنيسة فقط بل تخطتها إلى المؤرخين الذين امتلأت صفحات التاريخ بشهاداتهم عن جهاد ذٰلك العظيم فى البطاركة، ودَوره الفريد الذى بَهَر كل من عرَفه أو تتبع سيرته لا فى المجال الكنسىّ فحسْب بل امتد فى تاريخ العالم، فطَفِقوا يقولون عنه:
■ «… هٰذا الأسقف العظيم حقًّا، الذى لم يكُن أعظم منه أحد قط؛ فقد وقف وحيدًا يدافع عن (مجمع نيقية)…»؛ «جواتكن» مؤرخ صاحب كتاب «تاريخ الأريوسية».
■ «نحن نصور (أثناسيوس) كما نتصور النَّجم فى السماء، ولٰكنْ من العسير أن نحصل على حقيقة أبعاده. إن الصفات التى أذهلت كل معاصريه بشدة كانت حُضور مواهبه وسرعة تحوُّلها»، العالِم «دين استانلى» المؤرخ الأنجليكانىّ.
■ «أثناسيوس» هو المركز الذى كانت تدور حوله الكنيسة واللاهوت فى العصر النيقاوى، وقد لُقب بـ«الكبير»… عن جدارة ـ فكرًا وأخلاقًا ـ جدارة تمحصت (تجلت) بالاضطهاد والآلام التى تحملها على مدى السنين فى مقاومة أخطاء فظيعة ومقاومة حكومة إمبراطور…، «فيليب شاف» مؤرخ كنسىّ.
■ «…. أثبت (أثناسيوس) وُجوده فى (مَجمع نيقية) بغيرته وحدّة بصيرته… واستمر (أثناسيوس) بنفس قوته وحدّته على مدى نصف قرن، يتتبع حركاتهم بصلابة وثبات لا ينثنيان، مقابِلًا فى سبيل ذٰلك شتى صُنوف الاضطهادات والمقاومات والآلامات، ولم يأبَه إطلاقا بتهديد الإمبراطور مع أنه هو و(مِصر) كلها كانا تحت الاحتلال!!» «نياندر»، عالِم لاهوتىّ مؤرخ كنسىّ.
■ «… التقوى التى كان يدافع بها عن القيمة الأرثوذكسية، وعن أهمية العقيدة التى كانت موضوع النزاع، هٰذه التقوى هى التى جعلت اسمه من أجَلّ الأسماء وأكثرها وقارًا فى الكنيسة…»، د. «باور» مؤرخ مُلحد.
■ «… ظهر فى القرن الثالث للميلاد قديس ثالث من آباء الكنيسة… (أثناسيوس)، وُلد فى (الإسكندرية)، وكان من أشد خُصوم الوثنية، ومن ألد أعداء الهرطقة، ويُعتبر بحق من آباء الأرثوذكسية…». د. «مُحمد إبراهيم الفيومى» المؤرخ.
■ «إن القديس (أثناسيوس) لم يذُق طعم الراحة، ولم يرَ السلام يومًا واحدًا طوال الـستة والأربعين عامًا التى مضت ما بين اليوم الذى ارتقى فيه الكرسىّ البطريركىّ حتى الدقائق الأخيرة من حياته، ولأجل كنيسته عاش منفيًّا؛ ولم يشَأ الرب أن يظل بعيدًا عن كرسيّه: ففى الخامس عشَر من مايو عام ١٩٧٣م، أُحضرت رُفاته رسميًّا فى احتفال عظيم، ليُضم الى موضعة بمزاره أسفل الكاتدرئية المَرقسية»، «ريتشارد هوكر».
■ «إن (أثناسيوس) قد أظهر فى أعماله شدة شُعوره بأهم أركان الحياة المَسيحية الممثلة فى الأقنوم الحىّ، أقنوم الإلٰه المتجسد لفدائنا. وإن رُسوخ فكره وثباته فوق دعائم المَسيحية يذكّرنا بآباء القرن الثانى، إلا أنه يفوقهم جميعًا فى جلاء العبارة والدقة العلمية. وقد كان هٰذا الشُّعور أساس رفعة (العُلوم أو الحقائق) اللاهوتية، وغايته القصوى التى كان يتوخاها فى المصارعة التى حدثت عقب فراغه من كتابه الأول وسيامته شماسًا بالكنيسة؛ وكان بارعًا فى نشر مبادئه…». د. «دورنر» أستاذ اللاهوت بجوتنجن بألمانيا.
■ «إنه كان رجلًا عاملًا بعيد النظر ثابت العزيمة. وإنه أعظم حُماة الإيمان الأول وأكبر أبطال الديانة الحقيقية. وهو فى مقدمة مُعلمى الكنيسة الذين لا نستطيع أن نعبّر عن مقدار ما تعلمناه منهم، وما يمكننا أن نتعلمه من مثالهم الصالح، وما نستمده من العزاء والقوة فى وقت الشدة، من تصور آلامهم ووفائهم وثباتهم». «دين فرير» رئيس أساقفة كانتِربرى.
وفى نياحة «البابا أثناسيوس الرسولىّ»، كتب القديس «أغريغوريوس النَّزِيَنزىّ» يقول: «رقد (أثناسيوس) عام 373م، عين العالم المقدسة، والحب المنقطع النظير، والصوت العالى للحق، عمود الإيمان، ورسول المسيح الجديد، رقد فى شيخوخة صالحة، بعد أن وهب جميع أيامه للرب»؛ وبعد نياحته، نُقل جسده إلى «القسطنطينية» فى القرن الثامن الميلادىّ، وفى القرن الخامس عشَر نُقل إلى «ڤنيسيا».
وفى مايو من عام ١٩٧٣م، سافر مثلث الرحمات «البابا شنودة الثالث» إلى روما على رأس وفد كنسىّ لاستعادة جزء من رُفات «البابا أثناسيوس الرسوليّ»، وكان ذٰلك فى ذكرى مرور ستة عشَر قرنًا على نياحته؛ وقد سلَّم «البابا بولُس السادس» رُفات القديس «أثناسيوس» «للبابا شنوده الثالث» يوم الأحد السادس من مايو ليعود الوفد فى العاشر منه. وفى الإثنين الرابع عشَر من مايو، حضرت وُفود من جميع كنائس العالم للمشاركة فى احتفال عودة رُفات «البابا أثناسيوس» إلى «مِصر»، ليُودع فى المزار الذى خُصص له أسفل الكاتدرائية المَرقسية الكبرى بالأنبا رويس بالعباسية.
وفى ذٰلك الحفل، ألقى د. «لبيب مشرقى» رئيس المجلس الإنجيلىّ الأعلى كلمة قال فيها:
«… عندما نُحيّى بطلًا، نفخر به كمِصريِّين أنه كان رمزًا للمَسيحية، ورمزًا للمِصرية الأصيلة؛ فقد كان كما نعلم (حامى الإيمان)؛ عندما نذكره على مر العصور، ونذكر الصراع بين الإيمان والهرطقة، نذكر الصراع بين الحق والباطل، نذكر الصراع بين الصدق والكذب. ويجب أن نشيد دائمًا بأن الذين يقفون إلى جوار الحق يعيشون أبدًا فى الحياتين الحاضرة والعتيدة. إنه مثل من أعظم الأمثلة التى يمكن أن تُضرب بأنه عاش أمينًا: كان أمينًا فأبى أن يقبل أنصاف الحُلول، وكان أمينًا على الرغم من اضطهاد الأباطرة.
وإذ نحيّى الإيمان ونحيّى الأمانة، نحيّى فيه أيضًا الكفاءة: فقد كان واحدًا من أقدر العُقول التى ظهرت على هٰذه الأرض.. كان كاتبًا من أعظم الكتاب الذين عرَفهم التاريخ… كان عَلمًا من علماء الكفاءة. وعندما نحيّيه، نحيّى العِلم، نحيّى القدرة، نحيّى المنطق، نحيّى الأصالة، نحيّى البلاغة؛ هٰذا ما يجعلنا نرى فيه رجلًا يتخطى العُصور! مسموعًا بعلمه وكفائته العظيمة…
وبعد ١٦ قرنًا.. وبعد أن أصبح تراثًا للإنسانية وللمَسيحية كلها.. يعود إلى وطنه رُفاتًا، عندما نذكرها نتذكر عظام «يوسُِف» الذى أراد أن يكون (يُدفن) حيث يكون إيمانه…».
وهٰكذا نرى عمق تأثير ذٰلك القديس العظيم، البطل المِصرىّ، سَليل الفراعنة، رمز الثبات والجهاد، فى كل من عرَفه وقرأ عنه؛ ليَضحَى ابن «مِصر» البطل الأسطورة الذى لايزال التاريخ يتحدث عنه ويسجل له مزيدًا من صفحاته.

وفى «مِصر الحُلوة» الحديث لا ينتهى…!

الأسقف العام رئيس المركز الثقافىّ القبطىّ الأُرثوذكسىّ

التعليقات