مصر الحلوة 181 – «بيت العائلة المصرية» – 13/11/2016

مصر الحلوة 181 – «بيت العائلة المصرية» – 13/11/2016

   

   تكلمنا في المقالة السابقة عن مؤتمر “نحو عالم متفاهم متكامل”، الذي نظمه “مجلس حكماء المسلمين” بأبي ظبي، في مبادرة “حوار الشرق والغرب”، وتوقفنا قليلاً أمام كلمة الافتتاحية لفضيلة الإمام الأكبر أ. د. “أحمد الطيب”، التي وضعتنا أمام مسؤولية تحقيق السلام في دعوة إلى التحرك نحو الأخوَّة العالمية. وقد كانت محاور المؤتمر الأساسية ـ في خلال أربع جَلَسات امتدت على مدار اليومين ـ كالآتي:
• التعددية الدينية وحرية الاعتقاد.
• مبادرات وتجارِب في العيش المشترك والتسامح.
• دَور الأديان في تعزيز المواطنة وترسيخ المبادئ الإنسانية.
• عقبات في طريق الحوار والتعايش والحلول الممكنة.
   اشتملت الجَلَسات الأربع على اثنتَي عشْرة كلمة، شارك فيها رجال الدين من الشرق والغرب. وقد كانت كلمة “مِصر” في المؤتمر بعُِنوان “بيت العائلة المِصرية”، مشيرة في مقدمتها إلى احتياج العالم المُلح إلى السلام والتفاهم بين البشر العائشين أزمنة عصيبة من الفزع والألم والقلق، قائلة: “مع انتشار المَوجات الإرهابية في العالم، أصبحت الحاجة إلى تحقيق السلام من أهم متطلبات عصرنا الحاليّ، فبالسلام يتمتع البشر بالهُدوء والطمأنينة فيجدِّون في سعيهم ويُنتجون، وفي غيابه يتحول العالم إلى غابة وأشباه بشر قد فقدوا ما وهب لهم الله من إنسانية.”. 
   اتفقت تعاليم الأديان على أهمية السلام للإنسان مع الله، ومع الناس، ومع النفس فدعته إلى تحقيق ذلك السلام؛ كما أظهر التاريخ عظمة الأشخاص الذين قدَّموا صورًا جميلة عن المسامحة والسلام مثل الخليفة “عمر بن الخطاب”. وهٰكذا بعد أن أصبح الآن كثير من البشر يئنون تحت وطأة فقدان السلام وانتشار المَوجات الإرهابية، صارت هناك ضرورة إلى تكاتف العالم بأسره للتصدي لها. وإن كانت جوانب التصدي للإرهاب تتعدد من اقتصادية واجتماعية وسياسية وأمنية، فإن “التصدي الفكريّ” يُعد أهم الوسائل التي ينبغي أن نُوْليها اهتمام كبيرًا، إذ هو أحد طرق حماية المجتمع ـ وبصفة خاصة الشباب ـ من الانجراف في هٰذا التيار المدمر له، وللمجتمعات والأوطان قاطبةً.
   والتصديّ الفكريّ له دَوران: دَور تصحيحيّ يتصدى للتلاعب الفكريّ الإرهابيّ المغلوط وللانصياع خلف ما يحمله من هدم وتدمير، وآخر تعليميّ لغرس القيم الصحيحة التي تعلمها الأديان وترفِّع من شأن الإنسان. ومن هنا بدأت في “مِصر” فكرة إنشاء “بيت العائلة المِصرية”.

فكرة “بيت العائلة المِصرية”

   يُعد فضيلة الإمام الأكبر أ. د. “أحمد الطيب” شيخ جامع الأزهر هو صاحب فكرة إنشاء “بيت العائلة المِصرية”، وقد حازت الفكرة ترحيب مثلث الرحمات قداسة “البابا شنوده الثالث” ـ بابا الإسكندرية بطريرك الكرازة المَرقسية السابع عشَر بعد المئة؛ وذٰلك لثقته ومحبته لفضيلة أ. د. “أحمد الطيب”؛ فوافق على الفكرة والمشاركة في تأسيس “بيت العائلة المِصرية”. 
   ظهرت الفكرة بعد واقعة “كنيسة سيدة النجاة بالعراق” في 31 أكتوبر عام ٢٠١٠م، ثم الاعتداء على “كنيسة القديسَين بالإسكندرية” في الدقائق الأولى من غُرَّة عام ٢٠١١م؛ واتضح آنذاك أن هناك تخطيطًا موجَّه إلى مِنطَقة “الشرق الأوسط” لإحداث فُرقة بين المسلمين والمَسيحيِّين فيها، يشتمل على نشر فكر إرهابيّ مؤدّاه “رفض الآخَر”. فجاءت المبادرة في أثناء زيارة وفد “الأزهر” برئاسة الإمام الأكبر أ. د. “أحمد الطيب” إلى قداسة “البابا شنوده الثالث” في الثاني من يناير ٢٠١١م، لتقديم العزاء فعرض فضيلته الفكرة على قداسته ولقيَت ترحيبًا منه، وبدأ التنفيذ العمليّ لتحقيقها. وبفضل الرؤية الثاقبة الواضحة المستنيرة والجُهد الدؤوب لفضيلة الإمام “أحمد الطيب”، تأسس “بيت العائلة المِصرية” في عام ٢٠١١م.

أهداف “بيت العائلة المِصرية”

• الحفاظ على النسيج الوطنيّ الواحد لأبناء “مِصر”؛ ومن أجل تحقيق هٰذا الهدف، له الاتصال والتنسيق مع جميع الهيئات والوَِزارات المعنية في الدولة وتقديم مقترحاته وتوصياته إليها، وكذا عقد المؤتمرات واللقاءات في جميع محافظات “مِصر”.
يعمل “بيت العائلة المِصرية” على المحاور التالية: 
• تأكيد القيم العليا والقواسم المشتركة بين الأديان والثقافات والحضارات الإنسانية المتعددة.
• بلوَرة خطاب جديد ينبثق منه أسلوب من التربية الخُلقية والفكرية، بما يناسب حاجات الشباب والنشء، ويشجع على الانخراط العقليّ في ثقافة السلام ونبذ الكراهية والعنف.
• تعرُّف الآخر، وإرساء أسس التعاون والتعايش بين مواطني البلد الواحد.
• رصد واقتراح الوسائل الوقائية للحفاظ على السلام المجتمعيّ.

الإدارة

تنشأ هيئة مشتركة باسم “بيت العائلة المِصرية”، برئاسة “شيخ الأزهر” و”بابا الكنيسة القبطية الأرثوذكسية”، مقرها الرئيسيّ “مشيخة الأزهر بالقاهرة” ـ وحاليًّا يمثل “الأزهر” فضيلة الإمام الأكبر الشيخ أ. د. “أحمد الطيب”، ويمثل “الكنيسة القبطية الأرثوذكسية” قداسة “البابا أنبا تواضروس الثاني” بابا الإسكندرية الثامن عشَر بعد المئة، وتجمع فيها ممثلي الطوائف المَسيحية في “مِصر” وعددًا من الخبراء والمتخصصين؛ ويعيَّن لـ”بيت العائلة المِصرية” أمين عام وأمين عام مساعد ـ وحاليًّا الأمين العام هو أ. د. “محمود حمدي زقزوق” وزير الأوقاف الأسبق. 
يتولى إدارة “بيت العائلة المِصرية”
 مجلس الأمناء: عدد أعضائه لا يقل عن ١١ ولا يزيد عن ٢٧. ويعقد المجلس اجتماعات دورية، ويمكنه عقد اجتماعات طارئة حسبما تتطلب الأحوال؛ وهو الذي يضع السياسات العامة لـ”بيت العائلة المِصرية” ويُشرف على تنفيذها.
• المجلس التنفيذيّ: ويرأسه الأمين العام، ويعاونه الأمين العام المساعد، ويختص بتنفيذ السياسة العامة، ويضم مقرري اللجان والمقررين المساعدين. 
وتتعدد اللجان المنبثقة من المجلس التنفيذي؛ نقدم هنا إحدى هذه اللجان وهي “لجنة الخطاب الدينيّ”؛ وهدفها:
• تجديد الخطاب الدينيّ بما يناسب تحقيق أهداف “بيت العائلة المِصرية” ورسالته وقيم المجتمع. 
• تدريب الأئمة والقساوسة في مختلِف محافظات الجُمهورية.
• لقاءات شهرية أو ربع سنوية ليوم واحد أو عدة أيام، لترسيخ القيم في حياة الناس مثل: الرحمة، والمحبة، والتعاوُن، والمسؤولية، والانتماء إلى الوطن، والسماحة، والتفاني في العمل، و… إلخ.
• وعلى سبيل المثال، وبتعضيد من نيافة المِطران “منير حنا”، نظمت اللجنة ١٢ لقاءً على مدار ثلاث سنوات للأئمة والقساوسة؛ كانت مدة اللقاء ثلاثة أيام بعُِنوان: “معًا من أجل «مِصر»”، حضرها قرابة ٧٠ من الأئمة والقساوسة في السنة الواحدة؛ وقد قُدمت فيها محاضرات وندوات ومناقشات، وتدريبات، وقوافل مشتركة لزيارة المساجد والكنائس والأديرة والمستشفيات والمدارس، وبعض مشروعات وطنية معًا، ولقاءات مع رئيسَي “بيت العائلة المِصرية” والرُّموز الدينية، فكان لها الأثر الإيجابيّ في تفعيل القيم المشتركة وإعادة القيم المهجورة. ويجري الإعداد للقاءات مشتركة بين طلبة الكليات والمعاهد الأزهرية والكليات الإكليريكية.
إن العمل في “بيت العائلة المِصرية” لا يتوقف، فقد أنشئت فُروع له بالمحافظات، فتجرِبة “بيت العائلة المِصرية” ـ التي تحمل في عمق رسالتها التصدي الفكريّ للإرهاب وبناء النفس الإنسانية المتوازنة على مستوياتها كافةً ـ هي سعي نحو السلام الذي ينشُده العالم؛ الأمر الذي يستحق تحمُّل كل معاناة وجَهد وتفهم وعمل جاد من أجل تحقيقه، وكذٰلك يتطلب حوارًا وفَهمًا عميقًا ومحبةً قويةً للآخرين، كما قيل: “عندما تتغلب قوة الحب على حب القوة سيشهد العالم السلام”!! 
   ونحن نشكر الله أنه أعطانا في “مِصر” قيادات دينية تسعى لتحقيق العيش المشترك في سلام: فلدينا فضيلة الإمام الأكبر أ. د. “أحمد الطيب” على رأس “الأزهر” الذي يمثل “الإسلام” في وسطيته، وعلى رأس الكنيسة القبطية الأرثوذكسية قداسة “البابا أنبا تواضروس الثاني” الذي يسعى لترسيخ مبدإ العيش المشترك وزرع الحب والسلام.
   إن “مِصر” التي تباركت بالأنبياء فكانت ملجأً لهم: خليل الله “إبراهيم”، وأبي الآباء “يعقوب”، والصدِّيق “يوسف”، وكليم الله “موسى” ـ ثم قدوم السيدة العذراء “مريم” مع طفلها إليها هربًا من “هِيرودُس” ـ لَتظل هي الحصن الأمين للعالم بأسره. نسأل الله أن يوفقنا إلى ما فيه خير الإنسانية وسلامها. و … وعن “مِصر الحلوة” الحديث لا ينتهي …!

الأسقف العام رئيس المركز الثقافيّ القبطيّ الأُرثوذكسيّ

التعليقات