مبادئ – «عمق التعامل» – 19/11/2016

مبادئ – «عمق التعامل» – 19/11/2016

   تكلمنا في المقالة السابقة عن “عمق الاستماع” في حياة الإنسان الذي يمكّنه من فَهم الآخرين حقيقيًّا وإيجابيًّا، وأن الإنسان العميق في فكره عميق أيضًا في فَهمه فيُنصت باهتمام لمحدثه في محاولة حقيقية لفَهمه. كذٰلك أشرنا إلى أن ثَمة عَلاقة راسخة بين الاستماع والحكمة بقول الكاتب الأديب الطبيب الأمريكيّ “أوليڤر هولمز”: “الكلام من اختصاص المعرفة، أمّا الاستماع فهو امتياز الحكمة.”.
   وإحدى مميزات الحكيم أنه شخص عميق في استماعه لمن حوله مما يجنبه الوُقوع في كثير من أخطاء ارتكابها آخرون، وتعلَّم الحقائق والخبرات من غيره. يقولون: “إن جالستَ الجهال، فأنصت لهم. وإن جالستَ العلماء، فأنصت لهم: فإنّ في إنصاتك للجهال زيادة في الحِلم، وفي إنصاتك للعلماء زيادة في العلم.”. وكلما اتسعت قدرة الإنسان على الإنصات، ازداد عمقًا في الفكر والفَهم؛ ومن ثَم مساعدة البشر في اجتياز صعابهم: فهو بحُسن استماعه لهم يدخل إلى أعماق أفكارهم، يشددهم في كل أمر جيد، ويجتذبهم عندما يفقدون الرؤية الصحيحة.
   وعُمق الاستماع يرتبط بعمق آخر في حياة الإنسان: “عمق التعامل”؛ فعدم الاستماع الجيد العميق قد يدفع الإنسان إلى سلوك وتصرفات غير متزنة في الحياة تتسم بالسطحية والاندفاع. فالإنسان الذي يدرُس ويحسُب مواقفه وتصرفاته جيدًا لا يتسرع في إصدار الأحكام، أو لا يُنصت لأقاويل من حوله من دون أدلة، لذٰلك نجده في معاملاته لا يهتز سريعًا بالكلمات والمواقف، بل: عميق الفكر والاستماع، متأنيًا في مواقفه، متزنًا.
   أيضًا العميق في معاملة البشر يُحَكّمه في سلوكه تلك المبادئ والقيم التي تَعلَّمها ووضعها منهجًا لحياته: فهو يُدرك أهمية الاحترام لإنسانية كل شخص يدخل في تعامل معه، وإن جُرح من أحدهم فمن الممكن أن نجده متألمًا، لٰكن من المؤكد ألا نجده ثائرًا يجرح الآخرين أو يحاول النيل منهم؛ إنه إنسان قد وضع على عاتقه أن ينشغل بالبناء والسير في معترك الحياة بإنسانية وإيجابية.
   وعميق التعامل أيضًا يُدرك أهمية الزمن: فلا يسمح أن يُفقد منه وقت في الضغائن والسعي نحو عدم إنجاح الآخرين، أو في التأمل صوب الماضي بما يحمل من ذكريات مؤلمة كانت أو سعيدة، أو حتى انتظار الفرصة المناسبة بل يتحرك بإيجابية لإيجادها إذ يعي تمامًا أن مثل تلك السلوكيات هي وقت قد فُقد بلا عودة ولن يمكنه استرداده، فنراه يَشحَذ همته مالئًا كل لحظة من وقته بالبناء والخير لنفسه وللآخرين. إننا علينا أن نُدرك أنه لا يمكننا إيقاف أو تعديل أو تعويض ما نفقده من لحظات نعيشها، لذٰلك لنكُن عميقين في كل ما نفعل.
وللحديث بقية …

الأسقف العام رئيس المركز الثقافيّ القبطيّ الأُرثوذكسيّ

التعليقات