عن الحياة (149) – «ما بين القوسين» – 20/11/2016

عن الحياة (149) – «ما بين القوسين» – 20/11/2016

   

   “ظلت كلمات تتردد في ذهنه فترسُِم دوائر تتسع وتتسع حتى صارت أمواجًا كست أفكاره ومشاعره، فأخذ يُتَمتِم: “الحياة”. نعم، إنها «الحياة»: ذٰلك اللغز الذي حار فيه البشر ولم يُدرك كُنهه إلا القليلون. «الحياة» التي تحمل معها رسالة لمن يرتاد طريقها: “حذارِ! فأنت من تضع المعنى للأيام والساعات والثواني. إنها رحلة أيامه، وعليه أن يتعلم كيفية أن تُحسب له لا عليه.”.

   يقول الكاتب الكبير “توفيق الحكيم”: “إذا أردتَ أن تصمد للحياة، فلا تأخذها على أنها مأساة.”؛ فهل الحياة مأساة؟! أعتقد أن هناك من يعتبرها هٰكذا، ولٰكن هناك من يُدرِك قيمتها ويسعى لاكتشاف دَوره ورسالته في خُطوات طريقها. وهٰذا ما يصنع الفارق بين البشر. وأنت: كيف تراها؟! إن رؤيتك واتجاهاتك نحوها ستحددان بدرجة كبيرة خطواتك، وما تقطعه من مسافات في طريقها؛ أيضًا ستَحفِران طبيعة دَورك على جدران أيامها؛ إنها ليست مأساة، إنها هدية الله لك: فهي الطريق إلى حياة الخلود. كل ما عليك أن تجعلها مميَّزة، يقولون: “الدنيا هي عبارة عن قوسين: القوس الأول يوم ميلاد الإنسان، والثاني هو موته، وعليه أن يملأ المسافة بينهما بتقديم ما هو خير له وللآخرين، وإن لم يستطِع فلا يترك آلامًا في حياة أحد.”.  

   في الحياة، عليك أن تُدرك أنها لا تتوقف بل تستمر. وقد شبّه أحدهم الحياة بقيادة الدراجة: فلكي تستمر في حفظ توازنك عليك أن تستمر في الحركة، ومع ذٰلك الاستمرار أنت أيضًا تنمو وتتعمق في رؤيتك وأفكارك، وتكتشف كثيرًا من أمورها المهمة التي لم تُعطِها حق قدرها، وتلك التي أعطيتها قدرًا أكثر جدًّا مما تستحق. ستُدرك أن الأمور التي حسِبتَها قاسية صارت هي سبيلك إلى الراحة، وتلك الأخرى التي أحببتَها كانت مصدرًا لآلامك وأتعابك. إنها الحياة التي تنمو فيها وتشب معها في جميع لحظات عمرك: في رؤيتك، وأفكارك، ومشاعرك.

   الحياة أيضًا ليست طويلة لكي ما يكون لديك الفرصة لتعيد تجارِب الآخرين وخبراتهم وأخطاءهم ثم تتعلم، فأيامك لا تتسع لجميع دُروسها؛ لذٰلك عليك أن تبدأ من حيث انتهى الآخرون. فماذا، لو قرر البشر أن يعيشوا منفردين بخبراتهم بعضهم عن بعض، كل إنسان في جزيرة مستقلة؟!! لكان وجه البشرية قد تغير، وما استطاع أحد أن يقدم شيئًا ذا نفع لها!! نعم، ينبغي للجميع: أن يمر بهم كثير من المشاعر المشتركة مثل الألم والحزن والسعادة، وأن يعبروا بالنجاح تارةً، ويعترضهم التعثر تارةً؛ إلا أن أعظمهم هو من عرَف معناها، حاملاً إيمانه بقيمتها وأهميتها ليصنع آثارًا لا تُمحى في مسيرة حياته، وليقدم إنجازات طالما حلُمت بها البشرية. إن “الحياة” ليست مأساة، إنها هدية الله.

الأسقف العام رئيس المركز الثقافيّ القبطيّ الأُرثوذكسيّ

التعليقات