مصر الحلوة 183 – «القانون حرفتي … والأدب هوايتي» – 4/12/2016

مصر الحلوة 183 – «القانون حرفتي … والأدب هوايتي» – 4/12/2016

   

   قيل عنه: “أحد أبرز الفقهاء الدُّستوريِّين في مِصر”، “دائمًا ما نراه في كل المناسبات محاورًا ومبدعًا ومشاركًا”، “طاقة متجددة في الفكر”، “رمزًا عزيزًا من رموز مِصر في الزمن الجميل”، “صاحب إسهامات مهمة في إعداد وصياغة دساتير عديد من البلدان العربية، وتشريعاتها الأساسية منها”؛ إنه الرجل الذي خاض رحلة طويلة بين القضايا ومدرجات “كلية الحقوق جامعة القاهرة”، يوْدع رسالة العلم قلوب طلابه مؤمنًا بأهميتها، ولم تكُن رسالته على المستوى الأكاديميّ فقط بل خاض كثيرًا من تجارِب العمل السياسيّ على أرض الواقع، في محاولة منه أن يقدم لـ”مِصر” أفضل ما لديه؛ فكان يحمل إيمانًا عميقًا مؤداه: “مستقبل رائع ينتظر مِصر” ـ عنوانً إحدى مقالاته. إنه فقيد “مِصر” الراحل: أ. د.  “يحيى الجمل”.

   وُلد “يحيى عبد العزيز عبد الفتاح الجمل” في الخامس عشَر من أُغسطس عام 1930م بمحافظة “المنوفية” ورحل عن عالمنا في الحادي والعشرين من نوفمبر عام 2016م؛ وفي رحلة حياته الممتدة، قرر الالتحاق بكلية الحقوق مع أنه كان شديد الحب لكلية الآداب فقد ذكر في إحدى مقالاته: “… أظنك تعرِف ذلك الحوار الذي جرى بيني وبين نفسي عندما اخترتُ قبل قُرابة ستين عامًا أن أدخل كلية الحقوق وأن أعزِف عن كلية الآداب، يومئذ قلتُ: ليكُن القانون حرفتي، وليكُن الأدب هوايتي.”. فكانت له شخصية نادرة متفردة تجمع بين الفكر والشعور، قوة المنطق وفيض المشاعر، وهو الأمر الذي لا يتسنى لإنسان أن يلتقيه كثيرًا في رحلة الحياة. حصل “يحيى الجمل” على ليسانس الحقوق عام 1952م في “كلية الحقوق جامعة القاهرة”، ليعمل معاون نيابة عام 1953م، وتتدرج في الوظائف فأصبح مساعد نيابة، ثم وكيل نيابة في عام 1954م.

   طرق “يحيى الجمل” أبواب محراب العلم وأخذ ينهل من ينابيعه؛ فحصل على درجة الماجيستير في القانون عام 1963م، ليبدأ رحلة عطاء لم تتوقف داخل الحرم الجامعيّ على مدى أكثر من نصف قرن! فقد أطل عليه عام 1964م وهو يقف مدرسًا مساعدًا بين طلاب كلية الحقوق جامعة القاهرة، ثم مدرسًا عام 1967م بعد حصوله على درجة الدكتوراه، وأخذ يتدرج في عمله الجامعيّ: أستاذًا مساعدًا في 1970م، ثم أستاذًا بقسم القانون العام، إلى أن أصبح عميدًا لكلية الحقوق التي أحبها ووهب لأجلها كثيرًا من عمره، حتى إنه ذكر عن محبته للقانون: “القانون هو ضابط الإيقاع الذي لا تخلو منه فرقة موسيقية. والإيمان بسيادة القانون هو معيار لا يُخطئ من معايير التحضر والتقدم.”. وقد ظل جلوسه في مدرج الجامعة أمام طلبته هو أحب الأمور وأسعدها إلى نفسه فيذكر في إحدى مقالاته: “… وقد سألني أحد الأصحاب: ما هي أنواع المتعة التي تَحُس بها الآن؟ وأطرقتُ غير قليل! ثم قلتُ له: قراءة الشعر، وسماع “أم كلثوم”، ورؤية بعض الأحبة، ولقاء طلبة قسم الدكتوراه في كلية الحقوق بجامعة القاهرة …”.

   ويأتي عام 1971م، ليتولى د. “يحيى الجمل” منصبَي وزير الدولة لشُؤون مجلس الوزراء ووزير التنمية الإدارية؛ ثم نائب رئيس مجلس الوزراء لشُؤون الحوار المجتمعيّ في فبراير من عام 2011م، إلى أن استقال في الثاني عشَر من يوليو من العام نفسه. وفي خضم رحلة الحياة، شارك د. “الجمل” في عديد من الأعمال إذ يُعد بحق أحد المؤسسين البارزين في “المنظمة العربية لحقوق الإنسان” التي تأسست عام 1983م، وكان من أبرز قاداتها على مدى قُرابة سبعة عشَر عامًا (2000-1983م). كذلك شارك د. “الجمل” في تأسيس وقيادة عدد كبير من المؤسسات المهتمة بحقوق الإنسان، ومن أبرزها: “المنظمة المِصرية لحقوق الإنسان”، “المعهد العربيّ لحقوق الإنسان بتونُس”. كذلك أسس د. “يحيى الجمل” بالتعاون مع أ. “أسامة الغزالي حرب” وأ. “علي السلمي” ومجموعة من السياسيِّين والمفكرين “حزب الجبهة الديمقراطية” الذي تولى رئاسته، إضافة إلى أنه كان عضوًا في عدد من الهيئات مثل: “المجلس القوميّ للتعليم والبحث العلميّ”، “محكمة التحكيم الدُّولية بباريس”، “مجلس أمناء جامعة 6 أكتوبر”، ومجلس “جامعة الزقازيق”، و”مجلس الشعب”، ولجنة القانون بـ”المجلس الأعلى للثقافة”. وأ. د. “يحيى الجمل” أحد أبرز أعضاء مجلس أمناء “بيت العائلة المِصرية” ومقرر اللجنة القانونية.

   قدّم د. “يحيى الجمل” عديدًا من المؤلفات السياسية والقانونية، من أهمها: “الأنظمة السياسية المعاصرة”، “النظام الدُّستوريّ في ج. م. ع.”، “النظام الدُّستوريّ المِصريّ”، “القضاء الإداريّ”، “القضاء الدُّستوريّ”، “نظرية التعددية في القانون الدُّستوريّ”، “حماية القضاء الدُّستوريّ للحق في المساهمة للحياة العامة”. كذلك شارك د. “الجمل” في الحياة السياسية بمجموعة من المقالات في الصحف المِصرية والعربية، وله عديد من المقالات في المجالات الأدبية في “مِصر” والعالم العربيّ.

   وفي حياة حافلة بالإنجازات، استحق أن يحصل د. “يحيى الجمل” على “جائزة الدولة التقديرية في العُلوم الاجتماعية” من قبل “المجلس الأعلى للثقافة” عام 1998م. وقد اتسمت حياة د. “يحيى الجمل”:

بمحبة جارفة لـ”مِصر”

   كل من التقى د. “يحيى الجمل” أو قرأ له أمكنه أن يلمس مشاعر محبته الجارفة لـ”مِصر” ولشعبها، فهو لم يكُن فحسب أستاذًا أكاديميًّا بل ممارسًا للحياة السياسية، يشعر بآلام الوطن ونبضات قلبه فتخرج منه كلماته محاولةً أن ترسُِم حاجات الوطن وهُموم أبنائه؛ لم يفارقه لحظة واحدة حُلم مستقبل “مِصر” وأمنها وسلامها وعزتها ورفعة أبنائها، حتى في أحلك الظلمات التي مرت بها، فغلب على كثير من كتاباته طابع التركيز في مستقبل الوطن، داعيًا الشعب دائمًا إلى العمل والاتحاد، فكتب يقول إن تحقيق مستقبل رائع لـ”مِصر يحتاج إلى أمرين: “الأمر الأول: أن نكون نحن، المِصريِّين، جميعًا على يد رجل واحد، وأن نعمل جميعًا وبقدر ما نستطيع من جُهد.إن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فِضة!ويجب أن نُدرِك أن مشكلاتنا تراكمت على مدى سنين طويلة وأنها لن تُحل بين يوم وليلة، وأن الأمر يحتاج إلى أن نتوحد جميعًا وأن نُدرِك جميعًا أن التحديات التي تواجه “مِصر” هي تحديات وُجود …أمّا الأمر الثاني البالغ الأهمية، فهو إصلاح الجهاز الإداريّ الوسيط …”؛ وكانت دعوته إلى التكاتف والتوحد، إذ هما السبيل الوحيد إلى إنقاذ الوطن: “إنني أتوجه إلى كل مِصريّ ومِصرية، قائلًا: إننا لن نُنقذ “مِصر” إلا إذا تكاتفنا جميعًا ووضعنا أيدينا بعضنا في أيدي بعض، وأخلصنا في عملنا، وقدّمنا ما نستطيع من جُهد ومال لكي نُنقذ سفينة الوطن من الغرق، لأنها إن غرِقت ـ لا قدر الله ـ تَغرَق بنا جميعًا ولن ينجو من الهلاك أحد!”.

   دائمًا ما كان ينشغل فكر د. “يحيى الجمل” بمشكلات وطنه حاملًا همومه في قلبه، فكتب في كثير من مقالاته عن ثقافة الاختلاف: “… في المجتمعات المتحضرة يعرِف المتحاورون كيفية أن يتفقوا على أمور وكيفية أن يختلفوا على أمور أخرى. أمّا في المجتمعات المتخلفة بصفة عامة، فإن المتحاورين سَُِرعان ما يتشاجرون عندما يختلفون!! … حقًّا: تعالَوا نتعلم كيفية أن نختلف، تعالوا نتعلم ثقافة الحوار المنتج.”، وعن أهمية الحوار: “… ومنها أننا ـ أفرادًا ومن ثَم مجموعات ـ لا نُحْسِن فن الحوار الذي يقوم أساسًا على: حُسن الاستماع، ثم الاستيعاب، ثم الحوار.”، وكثيرًا ما أثار ذلك التساؤل: “ما الذي يُعوزنا للتوحد؟!” ، في محاولة منه أن يجد طُرقًا لمعالجة الفُرقة بأنواعها.

   لقد ظل أ. د. “يحيى الجمل” رافضًا …. و… وعن”مِصر الحلوة” الحديث لا ينتهي …!

الأسقف العام رئيس المركز الثقافيّ القبطيّ الأُرثوذكسيّ

التعليقات