مبادئ – «عُمق المشاعر» – 26/11/2016

مبادئ – «عُمق المشاعر» – 26/11/2016

 

   تكلمنا في المقالة السابقة عن “عمق التعامل” في حياة الإنسان: فيدرُس مواقفه وتصرفاته جيدًا ومن ثَم لا يهتز سريعًا بالكلمات أو المواقف التي تصادفه في الحياة، مقدمًا الحياة في بساطتها الحكيمة ومبادئها الرفيعة.

   عمق آخر في حياة الإنسان، من دونه يفقد كثيرًا من الاتزان في قراراته بل بغيابه من الممكن جدًّا أن تدمَّر حياته وحياة آخرين: إنه “عمق المشاعر”. يئن البشر في العالم من فقدانهم تلك المشاعر الإنسانية الصادقة، ومن سطحيتها التي أصبحت تَطغَى على العالم، فتحولت مبادئ الرحمة والود والمحبة إلى كلمات جوفاء لا يُدرك البشر معناها. ولا أعتقد أن فرصة لإحياء العالم من غفوته ومشكلاته إلا بالعودة إلى تلك الإنسانية التي تحمل فيض المشاعر الحقيقية الصادقة لتتدفق في قلب العالم من جديد وتُعِيد إليه الحياة.

   إن فقدان المشاعر لَيسلُب البشر معنى حياتهم وسعادتهم، فمن يحيا في “عمق المشاعر” يجد لحياته وأفكاره وتصرفاته وكلماته معنى عميقًا؛ يقولون: “حين تخلو الكلمات من المشاعر تكون مجرد أحرف كُتبت على ورق، ولكن المشاعر تهب للكلمات نبضًا تحيا به إلى الأبد.”؛ وأقول لا الكلمات بل كل ما في الحياة. يعيش الإنسان عمق المشاعر متى حمل مشاعر صادقة لمن حولهمثلما سمعتُ يوما: “نحن لا نريد مزيدًا من الحب ولا مزيدًا من الكلام؛ كل ما نحتاج إليه هو المصداقية في المشاعر.”.

   يظهر “عمق المشاعر” ومصداقيتها خلال رحلة الحياة وفيما يتعرض له الإنسان من مواقف، فعلى سبيل المثال نرى أن المحبة الحقيقية لا تغش ولا تخدع، بل تحتمل وتصر، ودائمًا ما تهبّ وتساند وتعضد، وتقدم الآخر على راحتها وسعادتها. وحين يدخل الإنسان إلى عمق المحبة، يستطيع أن يقدم ويبذُِل لأجل الآخرين: يسند أولئك المحتاجين إليه، يساعد من طغت عليهم الضيقات والآلام، يسامح كل من أساء له وأثار المشكلات وأصابه ببعض الآلام، يمُد يده بالمعونة إلى الجميع وإن انتقدوه وسعَوا لهدمه! عالمًا أن ما يقدمه إنما هو من أجل تلك الإنسانية العميقة التي خلقها الله في أعماقه، ومن أجل البشر صنيعة الله التي أوجدها وأحبها، ومن ثَم أصبحت محبته هي إلى الله – تبارك اسمه. وهكذا يجد الإنسان قوة في عمق المحبة إذ يستطيع أن يتغلب على الضغينة والحقد والكراهية، وأن يكون إيجابيًّا نحو العالم.

   من يمكنه أن يحيا المحبة بعمق تعرِف الرحمة طريقها إلى قلبه، وأيضًا الود والمساندة وغيرها من المشاعر النبيلة؛ وبينما هو يداوم على ممارسة عمق محبته، يحيا معنى السعادة الحقيقية. تقول “الأم تريزا”: “حلَمتُ أن الحياة سعادة؛ استيقظتُ فرأيتُ أن الحياة خدمة! أردتُ أن أخدُِم؛ فرأيتُ أن الخدمة هي السعادة!”.   

الأسقف العام رئيس المركز الثقافيّ القبطيّ الأُرثوذكسيّ

التعليقات