شعب صامد

شعب صامد

بينما يحتفل العالم بالذكرى المئوية للمذبحة الأرمينية، أتوقف لنقلب معـًا في خجل ورهبة صفحات هٰذا التاريخ الذي مر في إحدى الحِقَب القاسية التي شهدها العالم، وتحدث عن أحداثه الذين عاصروه من بلاد وقوميات مختلفة، والذين شهِدوه ونجَوا منه. قِصص تحمل آلام شعب أُريد له الفناء فانتهى إلى النمُو والازدياد!

“أرمينيا”
يصل تاريخ الأرمن إلى ثلاثة آلاف عام عمِلوا خلالها بالزراعة، والفنون، والحرف مع التجارة. ومع أن الأبجدية الأرمنية كانت قد اختُرعت في القرن الخامس الميلاديّ، لٰكنها ساهمت في التطور الثقافيّ للتاريخ البشريّ. ومع أن أرمينيا دولة صغيرة في مساحتها وعدد أفراد شعبها، إلا أنها ظلت في الحياة على الرغم من الاعتداءات والمظالم والمذابح الكثيرة التي اجتاحت شعبها.
أمّا عن جغرافية هٰذا الشعب الصامد، فنجد أن “أرمينيا” تُعد معبرًا بين “آسيا” و”أوروبا”، وتُشتهر بوجود الجبال التي تُعد أشهرها “جبال آراراط” وهي أعلى قممها الجبلية؛ وقد ذُكرت “جبال آراراط” في سفر “التكوين” في قصة “نوح النبيّ” حين أمره الله ببناء فُلك استقر بعد الطوفان على هٰذه الجبال: “واستقر الفُلك في الشهر السابع، في اليوم السابع عشَر من الشهر، على جبال آراراط.” (التكوين ٨:٤). ووجود الجبال جعل “أرمينيا” مَصدرًا لعديد من الأنهار أهمها: “آراكس”، و”الفرات”، و”الكُور”، و”دجلة”، وغيرها. 
وقد اتفق معظم الباحثين على أن الأرمن هم جماعة هندأوروبية جاءت من “البَلقان” بعد سقوط الحيثيِّين. إلا أن هناك من يعتقد أن الأرمن هم جزء من السكان الأصليِّين “للقوقاز”. ومع مطلع القرن الرابع الميلاديّ، وبالتحديد عام ٣٠١م، أعلنت “أرمينيا” أن الديانة المَسيحية هي ديانتها الرسمية لتصبح أول دولة مَسيحية في العالم. وقد عبر التاريخ الأرمينيّ بسيطرة عديد من القُوى عليه مثل الرومان والبيزنطيِّين. وهٰكذا سارت الأمور حتى آلت إلى ما وصلت إليه في العصر الحديث بأن أصبحت “أرمينيا” جزءًا من الإمبراطورية العثمانية.

المذابح الأرمينية الأولى (١٨٩٥م-١٨٩٦م)
تعرضت القرى الأرمينية في “البَلقان” و”الأناضول” إبان تلك المدة لهجمات منظمة قُتل فيها زُهاء الثلاثين ألفـًا من الأرمن، إلى جانب عمليات السلب التي تركت الناجين من القتل في حالة من الفقر المُدْقِع. ونظر العالم في المذابح الأرمنية بعين الاستنكار ولٰكنه لم يتدخل لإيقاف حملات الموت تلك؛ فقد احتج مندوبو “بريطانيا” و”فرنسا” و”روسيا” دون تدخل!! وقد هاجر آلاف من الشعب الأرمينيّ إلى البلاد العربية و”أوروبا” و”الولايات المتحدة”.

الإبادة (١٩١٥م – ١٩١٨م)
بدأت مأساة الشعب الأرميني الحقيقية في ليلة ٢٤/٤/١٩١٥م، عندما قُبض على مئات الكُتاب والشعراء والمحامين وأعضاء البرلمان ليُقتلوا في “إسطانبول”. وقد تعرض المؤلف الموسيقيّ “جوميداس”، أحد الناجين من تلك الكارثة، لانهيار نفسيّ لم يُشفَ منه طَوال حياته!! 
وبدأت رِحلات الموت لنقل العجائز والنساء والأطفال الأرمن بعيدًا عن أرضهم بعد استدعاء الرجال واحتجازهم ثم قتلهم رميـًا بالرَّصاص. وبعض من الأرمن جُمع في كنائس ثم أُشعلت فيهم النار، وآخرون سِيقوا صوب الصحراء ليلقوا حتفهم إثر الجوع والعطش. وحدثت حالات من الحرق والتشويه والضرب والقتل والاغتصاب والتعذيب مما تقشعر لها الأبدان ويَندى لها الجبين. وبعض سكان القرى الأرمينية التي شاهدت ما يحدث قررت المقاومة، وبالفعل ظلت مقاومتهم أربعين يومـًا مقاومة الأبطال حتى أُنقذ قُرابة ٤٠٠٠ أرمينيّ بيد الأسطول الفرنسيّ؛ وقد قدَّم الكاتب الألمانيّ “فرانز فيرفل” بطولتهم في رواية أسماها “الأيام الأربعون لجبل موسى.” و … وللمقالة بقية …

التعليقات