عن الحياة (161) – «نِسْيان الخير» – 24/2/2017

عن الحياة (161) – «نِسْيان الخير» – 24/2/2017

   

   تحدثنا في المقالة السابقة عن النِّسْيان عائقًا في حياة البشر: حين ينسى الإنسان رسالته ودوره في الحياة، وحين ينسى وُعوده وعُهوده للآخرين؛ ليفقد معه معنى الوفاء والإخلاص. نوع آخر من النسيان يُعد أصعب الأنواع وهو “نِسيان الخير”. وما أقسى تلك القلوب التي تنسى الخير الذي قُدم لها في مسيرة حياتها من الآخرين!! وما أجمل النُّفوس التي تتذكر ما صُنع معها من خير، مهما اشتد خلافها مع من قدمه لها! نعم إنه يمكننا أن نختلف ونتباعد ونمضي كل منا في طريقه، لٰكنّ الخير يظل قائمًا ذكرى غير قابلة للنِّسْيان ولا تنتهي؛ بذٰلك لن يجد إنسان تجريحًا من أحد، ولن يسبب هو ألمًا لمن التقاه في جزء من طريق الحياة، فربما يجمعهما جزء آخر من درب أيام العمر وحينئذ يجد كل منهما الآخر أمينًا مخلصًا يحمل قلبًا نقيًّا.

   إن عدم نِسيان الخير يملأ قلب الإنسان بالمحبة واللطف، ويجعل منه شخصًا إيجابيًّا في الحياة، يزداد إيمانه وقوته وثقته، فيمضي قُدمًا في طريقه وهو يحمل الخير للجميع. وهنا أتذكر عديدًا من القصص الواقعية مثل قصة “هاوارد”: ذٰلك الصبيّ الذي كان يبيع البضائع إلى المنازل من أجل تسديد نفقات دراسته؛ وفي يوم ما، شعر بالجوع الشديد، ولم يكُن لديه مال ليسُد به رمقه؛ فقرر أن يطلب طعامًا من قاطني أحد المنازل. طرق الباب، ففتحت له فتاة تسأله عن طلبه، فشعر بحرج شديد وطلب كوب ماء بدلًا من الطعام؛ إلا أن الفتاة أحضرت له كوبًا كبيرًا من اللبن! وحين سأل عما يجب دفعه، قالت: لا شيء! فقد علَّمتنا والدتنا أن لا نأخذ ثمن الإنسانية!! شكرها “هاوارد”، وقلبه يمتلئ فرحًا وسعادة؛ وحمل في قلبه ذكرى ذٰلك الجميل، لتمر السُّنون ويلتقي د. “هاوارد” تلك الشابة بعد أن تعرضت لمرض نادر، وقد أنقذ حياتها. وفي فاتورة المستشفى كتب يقول: “دُفع المبلغ المطلوب كاملًا بكوب من الحليب. التوقيع: د. هاوارد كيلي”! لقد استطاع د. “هاوارد” أن يرد جميل تلك الإنسانة الذي ظل متأثرًا به ومتذكرًا إياه سنوات طوال حتى سنحت له الفرصة ليرُده، ولٰكن بكل تأكيد: إن تلك الخبرة التي مرت به جعلته إنسانًا تملؤه الرحمة والشفقة على كل محتاج وضعيف، مقدرًا عمل الخير وأهميته مع كل إنسان.

   أيضًا لا تنسَ تعب الآخرين من أجلك: فإن هناك بشرًا لا يعرفون إلا المبادئ والقيم، المحبة والعطاء، فيقدمون أغلى ما لديهم لك من أجل سعادتك ومساندتك ونجاحك، من أجل أن تصير عظيمًا قويًّا؛ إنهم يعتبرون رسالتهم في الحياة: أن يَعضُدوا الآخرين في هُدوء وسلام. فحَرِيّ بك أن لا تنسى كل نفس تعِبت يومًا ما من أجلك.

وللحديث بقية …

الأسقف العام رئيس المركز الثقافيّ القبطيّ الأُرثوذكسيّ

التعليقات