مصر الحلوة 199 – «مَِحطات» – 26/3/2017

مصر الحلوة 199 – «مَِحطات» – 26/3/2017

   تحدثنا في المقالة السابقة عن تلك العواصف والأعاصير التي تعرضت لها حياة مثلث الرحمات “البابا شنوده الثالث”: من بداية قاسية تفتقد إلى محبة الأم وحنانها، وطفولة وحيدة كان الكتاب هو الصديق فيها؛ ولٰكن كل تلك الأمور كانت بيد الله يُعِد بها شخصية ثرية متسعة في الفكر، وفي مشاعر ترفُق بكل إنسان يتألم؛ فكان دائم القول: “اُنظروا بعين العطف إلى الناس، ولا تُسيئوا الظن بهم، فلكل إنسان ظروفه، وعلينا أن نتفهَّم الحقيقة بدلًا من أن نُسيء الظن.”؛ وأيضًا في عمقها اغتراب عن العالم وحنين إلى الله قد ظهرا بوضوح في قصائده الشعرية التي كتبها في تلك الآونة، ومنها قصيدة كتبها، عام 1946م، يقول في بعض من أبياتها:

تَرَكْتُ مَفَاتِنَ الدُّنْيَا وَلَمْ أَحْفَلْ بِنَادِيــهَا
وَرُحْتُ أَجُرُّ تِرْحَالِـــي بَعِيدًا عَنْ مَلَاهِيـــهَا
خَلِيَّ الْقَلْبِ لَا أَهْفُـــو لِشَيءٍ مِنْ أَمَانِيــــــهَا
نَزِيهَ السَّمْعِ لَا أُصْغِي إِلَى ضَوْضَاءِ أُهْلِيــهَا
أَطُوفُ هٰهُنَا وَحْـــدِي سَعِيدًا فِي بَوَادِيــهَا
بِقِيثَـــارَي وَمِزْمَـــارِي وَأَلْحَـــــــانٍ أُغَنِّيــــهَا
وَسَاعَاتٍ مُقَدَّسَــــــةٍ خَلَوْتُ بِخَالِقِي فِيهَا
أَسِيرُ كَأَنَّنِي شَبَــحٌ يَمُوجُ لِمُقْلةِ الرَّائِي
غَرِيبًا عِشْتُ فِي الدُّنْيَـــــا نَزِيـــلًا مِثْلَ آبَائِــــي

   وهٰكذا، بينما هو في عامه الأخير في الجامعة، كان يُعد ذاته للتفرغ الدينيّ وحياة الرهبنة فالتحق بـ”كلية اللاهوت” وتفرغ لدراستها، وبذٰلك يكون قد جمع في قراءاته ودراساته بين مجالَي الثقافة العامة والدينية حيث قرأ في مجالات عديدة ومتنوعة ـ كما ذكرنا، وحفِظ الشعر وقرضه، ودرس التاريخ والعلوم الدينية، وتفوق في دراساته. وفي المجال العمليّ، عمِل بعد تخرجه في “كلية اللاهوت” رئيسًا لتحرير “مجلة مدارس الأحد”، ثم مدرسًا في “مدرسة الرهبان بحُلوان”، إضافة إلى كلماته التي كان يُلقيها في الكنائس المتنوعة، والخِدْمات التي كان يؤديها فيها وكانت إحداها إدارته دارًا للأطفال الأيتام التي يذكر عنها: “تسلَّمتُ إدارة أحد ملاجئ الأيتام في «شبرا»؛ وكان الأيتام ينادونني «بابا» مع أنني كنتُ صغيرًا على الأبوة! كنتُ أحب هٰؤلاء الأيتام محبةً عظيمة، وأُزيل الحواجز بيني وبينهم؛ كانوا يشعرون بأنهم يجالسون صديقًا لهم وليس مديرًا لمؤسستهم … وكنتُ أراعي أوضاعهم النفسية كل المراعاة، وأُعاملهم كما لو كانوا أصدقاء لي، وأساعدهم في دراستهم، وأُعينهم على حل مشاكلهم الاجتماعية.”؛ وقد نشر عددًا من المقالات عن تربية الأيتام بعُِنوان “عاملوهم برفق”. لقد أثمرت الضيقات والأتعاب التي مرت بمثلث الرحمات “البابا شنوده الثالث” على مدى أيام العمر ثقافةً واسعة، وحبًّا جارفًا قدَّمه لكل إنسان في تلك الخِدْمات، محاولًا تقديم السعادة للجميع.
وفي تلك الآونة أيضًا، رغِب “نظير جيد” ـ البابا شنوده الثالث ـ أن يكتسب مزيدًا من الفضائل وهو ما أثقل من شخصيته.

ضابطًا مِصريًّا

   ومع أن طلبة الجامعات في ذٰلك الوقت كان لهم الحق في الإعفاء من التجنيد، فإن الشاب “نظير جيد” تطوع في الجيش وهو ما يزال طالبًا في الجامعة! وقد قضَّى بالجندية ثلاثة أعوام يؤدي التدريبات العسكرية في منطقتَي “سيدي بشر” ثم “المندرة”، لينال الترتيب الأول بين خريجي “مدرسة المشاة”؛ وقد كانت تلك المدة بمنزلة تدريب له أكسبه كثيرًا من السمات التي تحلى بها، فيقول: “في الجيش تعلَّمتُ فضائل كثيرة: أولها النظام، والجِدية، والتدقيق، والنشاط، والاعتماد على الذات؛ كنا نستيقظ باكرًا فيرتب كل منا فراشه، ويخرج إلى العمل بمنتهى النشاط. كانت تلك المدة مفيدة جدًّا من الناحيتين النفسية والجسدية، فقد كانت هناك تدريبات رياضية وعملية تستلزم الصبر والجَلَد، إضافة إلى الطاعة والانضباط.”.

راهبًا متوحدًا

   اختار قلبه أن يعيش لله وبالله؛ تاركًا كل ما هو للعالم، متجهًا بكل قوة وعزيمة للتعمق في الحب الإلٰهيّ، وكتب يقول: “لستُ أريد شيئًا من العالم، فليس في العالم شيء أشتهيه … لستُ أريد شيئًا من العالم لأن العالم أفقر من أن يُعطيني، لو كان الذي أريده في العالم لانقلبت هٰذه الأرض سماءً! ولٰكنها ما تزال أرضًا كما أرى … لستُ أريد شيئًا من العالم فأنا لستُ من العالم … لأن كل ما أريده هو التخلص من العالم، أريد أن أنطلق منه …”؛ وهٰكذا صار الشاب “نظير” راهبًا، عام 1954م، في دير السيدة العذراء الشهير بـ”دير السريان” بِاسم “الراهب أنطونيوس السريانيّ”؛ ليقضِّي به زمنًا، انطلق بعده إلى حياة الوَحدة في مغارة تبعد عن الدير “ثلاثة كيلومترات ونصف الكيلومتر تقريبًا، ثم انتقل إلى مغارة أخرى تبعُد اثنَي عشَر كيلو مترًا عن الدير.

أُسقفًا للتعليم

   لم تكُن حياة الوَحدة هي نهاية الطريق “للراهب أنطونيوس السريانيّ”، فتلك الحياة ـ التي يرعاها الله ويرتب جميع أمورها منذ لحظات ولادته الأولى ـ بدأت تتخذ اتجاهًا آخر؛ فإن جميع إعدادات الله السابقة كانت تمهيدًا لهدف إلهيّ أكبر هو قيادة “الكنيسة القبطية الأرثوذكسية”، وكانت الخُطوة الأولى هي اختيار “الراهب أنطونيوس السريانيّ” أسقفًا للتعليم على الرغم منه، ومن محاولاته الهرب من أيّ منصب يربطه بالعالم! إذ كان قد عمِل سكرتيرًا خاصًّا “للبابا كيرلس السادس”، عام 1959م، ولٰكن “الراهب أنطونيوس” فضل العودة إلى حياة الوَحدة والخُلوة.

   جاءت سيامة “الراهب أنطونيوس” أسقفًا عندما طلب “البابا كيرلس السادس” حضوره لأمر مهم، وكان بعد انتهاء المقابلة، وبينما هو خارج من عنده، أن فاجأه “البابا كيرلس” ووضع يديه عليه معلنًا إياه أسقفًا للتعليم باسم “أنبا شنوده”!! وعن ذٰلك كتب يقول: “لم تكُن هناك إبروشية خالية في ذٰلك الوقت، فكنتُ أول شخص رُسم أسقفًا عامًّا في هٰذا الجيل، وقال لي (البابا كيرلس السادس): لم يعُد لك الحق في أن تترك هٰذا المكان! ووجدتُ نفسي في وضع لا أستطيع الفِرار منه! وتذكرتُ في ذٰلك الحين عبارةً قالها “إرميا النبيّ”: «عرفتُ، يا رب، أنه ليس للإنسان أن يختار طريقه، ليس له وهو يمشي أن يخطو خطوات». واضطُررتُ إلى الخضوع للأمر الواقع. ثم أُقيمت الحفلات الرسمية الكنسية الطقسية، وتمت رسامتي أسقفًا، وكان ذٰلك في سبتمبر عام 1962م.”. وهٰكذا بدأ نيافة “أنبا شنوده” دَوره كأسقف عامّ للمعاهد الدينية والتربية الكنسية والتعليم الكنسيّ، حيث تعددت أنشطته ما بين تدريس في المعاهد الدينية، وعظات للشعب، وإصدار الكتب ومجلة الكرازة وغيرها، ثم اختير هو أول رئيس لـ”رابطة الدراسات اللاهوتية في الشرق الأوسط”؛ ولا يُنسى اهتمامه أيضًا في ذٰلك الحين برعاية الأُسر الجامعية.

بطريركًا للكرازة المَرقسية

   بعد رحيل “البابا كيرلس السادس”، اختير نيافة “أنبا شنوده” بطريركًا حيث جلس على الكرسيّ المَرقسيّ في الرابع عشَر من نوڤمبر عام 1971م؛ ليبدأ رحلةً من العطاء امتدت إلى أكثر من أربعة عُقود، تجلَّى فيها ثراء شخصيته العظيمة التي كانت مَِحط أنظار وإعجاب مِن كل من التقاه. وقد أكسبته التجارِب وكل ما مر به من أحداث خبرات طويلة وحكمةً فائقة، إلى جانب توفُّر مشاعر رقيقة ترفُق بالجميع وتعمل على إراحتهم، وإن كان ذٰلك مقابل راحته الشخصية، مُؤْثرًا الآخرين على نفسه! ولقد كتب عنه الكاتب الكبير أ. “أحمد بهجت”: “الاستماع إلى «البابا شنوده» متعة: فهو رجل واسع الثقافة، عميق النظرة، ويعيش أحداث عصره بقلب دافئ وعقل مفتوح … بارك الله فيك، ياسيدي! وبارك قلبك الطيب! وعقلك المثقف! ووعيك العظيم برسالات الأديان وجوهر التاريخ والحضارة!”.

   إن حياة “البابا شنوده الثالث” بكل ما مر بها من صعاب يراها البشر قاسيةً وعاتيةً، مع ما وهبه الله من إمكانات في الذكاء الحاد والقدرة على الاستيعاب والتذكر، عمِلتْ جميعها على خلق شخصية أحبها وقدَّرها الجميع؛ لتصبح إحدى علامات التاريخ المِصريّ البارزة التي لا تغيب عن صفحاته. و … وفي “مِصر الحلوة” الحديث لا ينتهي …!

الأُسقف العام رئيس المركز الثقافيّ القبطيّ الأُرثوذكسيّ

التعليقات