عن الحياة (169) – «ما تزرعه إياه تحصُِد» – 21/4/2017

عن الحياة (169) – «ما تزرعه إياه تحصُِد» – 21/4/2017

   

   في الحياة، يمضي كل إنسان حاملاً في أعماقه تلك القيم والمبادئ التي تكون له مرشدًا أينما سار وكيفما تصرف: أعني في قراراته، وسلوكه نحو الآخرين. وترتسم مبادئ الحياة وقيمها في ضمير كل إنسان منذ صغره مع وعيه وإدراكه لِما يحدث حوله؛ وتختلف تلك المبادئ من شخص إلى آخر وَفق ما تربى عليه وما تعلمه أولاً في أسرته الصغيرة، ثم في المجتمع من حوله. وتأتي بعد ذلك تجارِب الحياة والمواقف التي تمر به ليعبرها وهو ثابت على ما تعلمه، أو واقف عندها ليبدل بها أخرى. وهنا، ليتوقف كل إنسان قليلاً وليتساءل: أيّ مبادئ أتبع في الحياة؟! وأيّ مبادئ أقدم للآخرين؟!

   تحضَُرني قصة وقعت في أحد البُلدان حيث كان أحد الآباء يقتاد طفليه إلى مشاهدة السيرك؛ وبينما هو ينتظر دوره لشراء تذاكر الدخول، قرأ على لوحة معلقة على نافذة البيع أن التذكرة: سعرها للبالغين خمسة جنيهات، وثلاثة جنيهات لمن تخطَّوا ست سنوات، ومجانية لمن دون السادسة؛ وكان أحد طفليه في السابعة والآخر في الثالثة. وعند شراء الأب التذاكر، طلب من المسؤول تذكرتين فقط: إحداهما لشخص بالغ، والأخرى لطفله ذي السبعة الأعوام؛ فحينئذ قال له مسؤول البيع: إنك غريب عن المكان، وكان في استطاعتك أن تخبرني أن ابنك الكبير هو دون السادسة، وكنتُ حينئذ لن أتمكن من التمييز أفي السادسة هو أم السابعة؛ وبذلك لكان أمكنك أن توفر مبلغ ثلاثة جنيهات! أجابه الأب: حقًّا إنك حينئذ لَكنت لا تُدرك الفارق، ولٰكن طفليَّ لَكانا أدركا، ولَظل ذٰلك المشهد محفورًا في أعماقهما طوال العمر، ولَظللتُ أنا قُِدوة سيئة لهما طوال حياتهما، وحينئذ: أيّ أموال تلك التي كانت تستحق؟!! وفي المقابل، أتذكر قصة قام فيها أحد الأطفال بسرقة بيضة، وقدمها إلى أمه فلم تَنهِه عما فعل؛ وبعد حين، قام بسرقة دجاجة، وأسرع بها إلى أمه، ففرِحت به وثَنَت عليه!! ولم تمر أشهر حتى قام بسرقة أكبر، ثم تدريجيًّا تحول إلى مجرم تطارده العدالة حتى سقط وسُجن أعوامًا طوالاً.

   من أجل هٰذا: على كل إنسان أن ينتبه لِما يزرعه في حياة الآخرين من خير أو شر، لأنه حتمًا سوف يأتي اليوم الذي يجني فيه ثمار ما زرعه، فجميع ما تزرعه إياه تحصُِد. وفي الوقت نفسه، على كل إنسان أن يتمهل ويسأل نفسه: أين أنا من مبادئ المحبة والرحمة والقيم التي تُعْلي من شأن إنسانيتي وإنسانية البشر؟ أين أنا من: الأمانة، والصدق، والخير؟! إن الحياة قصيرة جدًّا، وهي لا توهَب للشخص إلا مرة واحدة: فماذا فعل بحياته؟! وماذا قدم فيها؟! أتُراه كان شخصًا يجفف دموع الألم، أم أضحى سببًا لسكبها من أعين الآخرين؟! أكان يعمل لإسعاد البشر، أم بات سبب حَُزَْن يمزق قلوبهم تمزيقًا؟!! عزيزي: كيف كانت حياتك؟ وكيف أصبحت؟! وإلى أين هي تمضي؟!

الأُسقف العام رئيس المركز الثقافيّ القبطيّ الأُرثوذكسيّ

التعليقات