مبادئ – «الحقيبة» – 13/5/2017

مبادئ – «الحقيبة» – 13/5/2017

   

   استكملنا في المقالة السابقة الحديث عن الاعتبارات التي قد تؤثر في حكم الإنسان على الآخرين، وتعليقًا على تلك الكلمات، أرسل إليَّ أحد الأصدقاء رابطًا لمقطع ڤيديو قُرابة الدقيقتين، مع رسالة من كلمة واحدة: “صدَقتَ.”! يعرض المقطع صورةً داخل أحد الفصول الدراسية، والمعلمة تمر بين الطالبات فاحصةً حقائبهن، وعند وصولها إلى إحداهن تجد الفتاة وقد احتضنت حقيبتها بشدة وتأبى أن تقدمها للمعلمة لتفتشها! وعندئذ تثور المعلمة معتقدةً أن الفتاة تُخفي شيئًا أخذته من صديقاتها، أو بالأحرى سرقته منهن؛ ليزداد إصرارها على كشف ما في الحقيبة. ومع إلحاح المعلِّمة يزداد تشبث الفتاة بحقيبتها، إلى أن أتت مديرة المدرسة وتصحَب المعلمة والفتاة إلى مكتبها؛ وهناك تنكشف الحقيقة: أن بالحقيبة كيسًا يحوي بقايا طعام زميلات الفتاة قد جمعتها لتقدمها إلى إخوتها الصغار سدًا لجوعهم!! وبالكلام مع الفتاة يتضح أن شقيقها الأكبر حاول الحصول على المال بطريق غير قانونيّ زج به إلى السجن وهو ما تسبب في وفاة والدتهم؛ وهٰكذا صارت الفتاة هي عائل الأسرة!!!

   لقد رفضت الفتاة أن تفحص المعلمة حقيبتها، لا لأنها لصة ـ كما ظنت المعلمة، وإنما لعدم رغبتها في كشف عوزها أمام زميلاتها كي لا تصبح مجالاً لحديثهن سواء بالازدراء أو بالشفقة؛ لذٰلك، يا عزيزي: كُن حريصًا جدًّا قبل أن تُطلق العِنان لكلماتك وأحكامك على الآخرين، فربما أنت تجرح وتَزيد آلام من يحتاج إلى الرحمة والإنسانية!!

   أيضًا لا تحكم على إنسان من خلال أحكام الآخرين، سواء بما هو طيب أو رديء، فأنت لا تدري أسباب أحكامهم ودوافعها أو الظروف التي أدت إليها، وضع في اعتبارك يا صديقي أن العالم يمتلئ بالمفارقات العجيبة والغريبة؛ بل أعطِ كل إنسان فرصته الكاملة، ودَعِ المواقف تؤكد لك الحقيقة، ولا يَخفَى أن التجارِب التي تمر بنا هي كاشفة الحقائق. كذٰلك احكم من خلال تاريخ معاملاتك مع الشخص لا من موقف واحد، فمن الممكن جدًّا أنه كانت في ذٰلك الموقف مؤثرات خارجية أو ضغوط قد جعلته يتصرف بأسلوب مغاير لطبيعته؛ وأنا في هٰذا المقام لا أقصد نصائح الوالدِين إلى أبنائهم بالحذر من أصدقاء السوء المعروفين بأعمالهم الشريرة، فيجب ألا يجازف الإنسان في طريق هو يعرف أنه يحمل علامات الخطر.

   أيضًا لا تخدعنَّك الكلمات الناعمة، وفي الوقت نفسه لا ترفض النصيحة المخلصة. أعجبتني حكمة تقول: “لسان الإنسان كتاب على الأرض: فلا تُهمل قراءته، ولا تصدق كل ما تقرؤه فيه.”؛ بل لتكُن عيناك وفكرك على المواقف والكلمات معًا، يقولون: “إن أردت أن تعرِف خُلق إنسان، فانظر في كيفية معاملته لمن هم أقل منه، لا كيفية معاملته لرؤسائه.”.

الأُسقف العام رئيس المركز الثقافيّ القبطيّ الأُرثوذكسيّ

التعليقات