الفيروز – الصوم – يونيو 2017

الفيروز – الصوم – يونيو 2017

   

   تتشارك الإنسانية في تلك الصفات العظيمة التي وهبها الله ـ تبارك اسمه ـ للإنسان، ومنها: المودة، والمحبة، والرحمة، والتسامح، والخير؛ كما تتشارك في ممارسات روحية مثل: الصلاة، والصَّوم، والتأمل، وغيرها. وهٰكذا فإن أبناء الوطن في هٰذه الأيام يصومون معًا: حيث يبدأ “صوم رمضان” مع الأيام الأخيرة من شهر “مايو”، ويبدأ “صوم الرسُْل” في الأيام الأولى من شهر “يونيو”؛ وهٰكذا المِصريُّون جميعهم يقتربون ويتقربون إلى الله بالأصوام والصلوات، في حياة خُشوع تزينها أعمال الخير والصلاح.

الصَّوم

   يُعد الصَّوم إحدى العقائد الأساسية في الأديان والعبادات التي عرَفها البشر، إذ إنه أحد الوسائل الروحية التي يقدمها الإنسان في عباداته؛ فقد عُرف في “اليهودية”، و”المَسيحية”، و”الإسلام”، كما عرفته العبادات الأخرى مثل: “البوذية”، و”الكُنفوشيوسية”، و”الهندوسية”، وغيرها.

   وبنظرة سريعة، حين نتتبع أساس الصَّوم، نجد أنه يعود إلى أبوينا “آدم” و”حواء” حين أمرهما الله ـ تبارك اسمه ـ ألا يأكلا من ثمر شجرة في الجنة، أمرًا يُعد صومًا عن ثمر هٰذه الشجرة؛ لٰكنهما لم يطيعا. والصوم أمر معروف لدى المَسيحيِّين إذ نجد في “الكتاب”: “قَدِّسُوا صَوْمًا. نَادَوا بِاعْتِكَافٍ.”؛ كما نجد صورة للصوم المقبول لدى الله المرتبط بفعل الخير: “أَلَيْسَ هٰذَا صَوْمًا أَخْتَارُهُ: حَلَّ قُيُودِ الشَّرِّ، فَكَّ عُقَدِ النِّيرِ، وَإِطْلاَقَ الْمَسْحُوقِينَ أَحْرَارًا، وَقَطْعَ كُلِّ نِيرٍ. أَلَيْسَ أَنْ تَكْسِرَ لِلْجَائِعِ خُبْزَكَ، وَأَنْ تُدْخِلَ الْمَسَاكِينَ التَّائِهِينَ إِلَى بَيْتِكَ؟ إِذَا رَأَيْتَ عُرْيَانـًا أَنْ تَكْسُوَهُ، وَأَنْ لاَ تَتَغَاضَى عَنْ لَحْمِكَ.”، كما هو مرتبط بالتوبة: “«وَلٰكِنِ الآنَ، يَقُولُ الرَّبُّ، ارْجِعُوا إِلَيَّ بِكُلِّ قُلُوبِكُمْ، وَبِالصَّوْمِ وَالْبُكَاءِ وَالنَّوْحِ.”؛ وهو يمنح قوة للتغلب على الشر: “هٰذَا الْجِنْسُ (الشيطان) لَا يُمْكِنُ أَنْ يَخْرُجَ بِشِيءٍ إِلَا بِالصِّلَاةِ وَالصَّوْمِ.”.
وفي “الإسلام”، نجد في “القرآن”: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، كما نجد خيرًا للبشر في الصوم: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. وفي الحديث: [كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ: الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ، قال الله تعالى: «إِلاَّ الصَّوْمَ، فِإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أُجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِي ...].

   يُعد الصَّوم أحد الأعمال الروحية التي يتقدم بها الإنسان إلى الله، سائلاً مراحمه، طالبًا غفرانًا، تائبًا عن كل ما اقترفه من آثام وذنوب. وبينما الإنسان يقدم صومه إلى الله، يُقرنه بممارسات روحية أخرى مثل الصلاة، وبأعمال الخير والصلاح كالوِدّ والتسامح وتقديم الصدقات التي تنبَُِع من محبة ذٰلك الإنسان العميقة لله؛ فتنعكس على معاملاته نحو الآخرين بمحبة ورحمة. إلا أن هناك معتقدات خاطئة عن الصوم وأهدافه عند بعض الناس: فيعتقدون أن الصوم هو نوع من إضعاف للجسد أو تعذيبه!! لٰكن الأمر ليس هٰكذا، إنما الصوم هو ضبط إرادة الإنسان من جهة الطعام؛ وبوجه خاص الأطعمة التي يحبها بشدة، إذ هو يساعد الإنسان في تدريب إرادته على الاحتمال والسيطرة على رغباته من خلال امتناعه عن الطعام والشراب فترة زمنية، ثم تناوله أطعمة لا يشتهيها، ومن ثَم يحتمل مشاعر الجوع التي يشعر بها في أثناء صومه؛ وبذٰلك يتمكن من الارتفاع فوق مطالب الجسد والماديات ليُعطي اهتمامًا أكبر بالروح. وهٰذا يجعل الصوم إحدى الوسائل الروحية التي يستعد بها الإنسان ويتدرب للسُّمو بجسده إلى مستوى روحيّ أعمق تنمو فيه عَلاقته بالله. ومثل هٰذه التدريبات يُشدد عزيمته وقدرته على الاحتمال وضبط النفس وهٰكذا يتمكن من ضبط أفكاره ومشاعره فتتقوى الروح في عَلاقة قوية عميقة بالله، وقد يزداد ثباته ضد التجارِب والمشكلات فلا يهتز أو يضطرب إذ يلمس أعمال الله وعنايته في حياته.

   إن الصَّوم ليس هو امتناع الإنسان عن الطعام فقط، لٰكنه امتناع عن كل مظاهر الشر في حياته، إذ يقوِّي إرادته ويحُثه على الابتعاد عن الشر من: نميمة، أو كراهية، أو حقد، أو عادات شريرة … إلخ؛ ودون أن يصل الإنسان إلى تحقيق تلك، لا يكون قد استفاد شيئًا في صومه. فما فائدة الإنسان الذي يصوم عن الطعام، وقلبه يمتلئ بالكراهية نحو أحد، وكلماته هي سهام قاتلة نحو مشاعر آخرين، أو لا يعمل عمله بأمانة؟!! يقول أحد الآباء: [الذي يصوم عن الغذاء، ولا يصوِّم قلبه عن الحَنَق والحقد، ولسانه ينطق بالأباطيل، فصَومه باطل، لأن صَوم اللسان خير من صَوم الفم، وصَوم القلب خير من الاثنين.”. ويقول آخر: [إن الصَّوم الحقيقيّ هو سَجن الرذائل: أيْ ضبط اللسان، وإمساك الغضب، وقهر الشهوات.]؛ وهٰذا لا يعني أن يتوقف الإنسان عن الصَّوم أو يهُمله إذ لا يستطيع التوقف عن فعل خطيئة ما، بل إن هٰذا أدعى أن يَزيد من صَومه وصلواته لكي يستطيع التغلب على تلك الخطيئة.

   أيضًا في فترات الصوم يحاول الإنسان أن يفحص ذاته في محاولة لاكتشاف ما بها من نقائص وعُيوب قد تؤلم الآخرين؛ فيقدِّم توبة عن كل ما صدر منه، ويحاول إصلاح أخطائه؛ ومن ثَم تصبح فترة الصَّوم هي فترة تدريب روحيّ لتنقية الذات مما يشوبها. وإن كان في الصوم يسعى الإنسان للاقتراب إلى الله، فهو أيضًا فرصة تجعله يقترب أيضًا من الآخرين وبصفة خاصة المحتاجين، ولا أقصد الفقراء فقط، فإنه يوجد من يحتاج إلى المحبة، ومن يحتاج الود، ومن يُعوزه الاهتمام، ومن يبحث عن النصيحة الصادقة الأمينة الخالصة، ومن تتألم مشاعره لأحداث حزينة مرت به، وغيرهم كثيرون؛ يقدم لهم فيضًا من مشاعر الرحمة والإنسانية، دون انتظار لرد بشريّ، بل الخير من الله الذي يجازي عن كل أعمال البشر.

   أمّا العطاء للفقراء في فترات الصوم، فهو يرتبط كثيرًا بتلك المشاعر المتولدة في أعماق الصائم باحتياج الفقراء؛ فمن يصوم يشعر بألم الجوع ومشاعر الحرمان من طعام يحبه أو شراب يحتاجه، ما يجعله يشعر بآلام وحاجات المساكين والفقراء، فيسارع إلى مساعدتهم بكل ما أوتي من قوة في محبة كاملة. وكما يقولون: لن يشعر بما يمر بك إلا شخصان: صديقك الذي يحبك، وإنسان جاز تلك الآلام التي تجوزها. إنه في كل أمور الحياة كثيرًا ما نختبر أن أكثر الأشخاص جدارة على مساعدة أولٰئك الذين تعتريهم أزمات وضيقات هو من اجتاز تلك الأزمات. وحين تصوم، فأنت تعرف مشاعر من لا يشبع وتقدر آلامه؛ فتُسرع إلى عمل ما يفرِّح قلبه، وبذٰلك يقترن صومك بعمل الخير النابع من قلبك.

   ليقبل الله أصوامنا، وصلواتنا، وأعمال الخير التي تقدم من أجل محبتنا له، وليحفظ “مِصر” و”الشرق الأوسط” والعالم بأسره في أمن وسلام.

التعليقات