مصر الحلوة 207 – «أين تركتم خوف الرب؟!» – 21/5/2017

مصر الحلوة 207 – «أين تركتم خوف الرب؟!» – 21/5/2017

   استكملنا في المقالة السابقة الحديث عن الخليفة “المعتصم” حتى وفاته، وما تعرضت له البلاد من أحوال داخلية وحُروب خارجية في أيام حكمه، وعن قاضي قضاة عصره “أحمد بن أبي دؤاد الأياديّ” ومكانته التي لم يصل إليها أحد لدى “المعتصم” حتى إنه كان لا يصنع أمرًا بغير مشورته. ثم تحدثنا عن أحوال “مِصر” في زمن حكم “المظفَّر بن كَيدَر”، و”موسى بن أبي العباس” نائبًا عن “أَشناس” مدة أربع سنوات وسبعة أشهر؛ ثم كان أن تولى أمور “مِصر” من بعده “مالك بن كَيدَر”.

مالك بن كَيدَر (224-226هـ) (839-841م)

   هو “مالك بن كَيدَر”، وقد تولى أبوه “كَيدَر” حكم “مِصر” ـ كما ذكرنا من قبل. حكم “مالك” على “مِصر” بعد أن عزل الأمير “أبو جعفر بن أَشناس” حاكمَ “مِصر” “موسى بن أبي العباس”. أمّا عن جمع الضرائب، فكان الخليفة هو من يضع المسؤول عنها. يذكر المؤرخون عنه أنه: “كان أميرًا ساكنًا، عاقلاً، مدبرًا، سيوسًا (يسوس الناس بحُنكة، أو خبيرًا بالسياسة)، وقورًا في الدُّول، وُلِّيّ الأعمال الجليلة وتنقل في خدم الخلفاء. وكان من أكابر القواد والأمراء.”؛ وقد حكم “مِصر” قرابة مدة عامين وبضعة أيام حدثت فيها خيانة الأَفشَين للخليفة “المعتصم” وسَجنه. وقد تعرضت مدينة “الأهواز” ـ وهي عاصمة محافظة “خُوزِستان” ومركزها وتقع شَمال غرب إيران ـ لزلزال مدمر استمر أيامًا حتى سقط أكثر مبانيها. ثم تولى حكم “مِصر” من بعد “مالك”: “عليّ بن يَحيَى”.

“عليّ بن يَحيَى الأرمنيّ” (226-228هـ) (841-843م)

   عُرف بِاسم “الأمير أبي الحسن الأرمنيّ”. تولى حكم “مِصر” نائبًا عن “أَشناس”، واستمر في حكمها حتى وفاة الخليفة “المعتصم” وتولِّي ابنه “هارون الواثق” أمور الحكم من بعده. وصل إليه خبر أن الخليفة “الواثق” قد أقره في حكم “مِصر”. إلى أن عُزل بـ”عيسى بن منصور”، فكانت مدة حكمه سنتين وبضعة أشهر ـ قيل إنها ثلاثة أو ثمانية. يذكر المؤرخون أنه في زمن حكمه أخذ في إصلاح شُؤون البلاد وإبعاد المفسدين. وقد ذكر “التَّغريّ” أنه حدثت وقيعة بين “عليّ” حاكم “مِصر” وبين “هارون بن عبد الله الزهريّ” قاضي قضاة “مِصر”؛ فعزله الحاكم وأقام بدلاً منه قاضيًا آخر يُدعى “مُحمد بن أبي الليث الحارث” الذي عمِل في القضاء مدة عشَرة أعوام، لٰكنه لم يسلك في سيرة حسنة وتعسف وظلم في أحكامه. ثم تولى “عيسى بن منصور” أمور حكم “مِصر” مرةً ثانية من بعد “عليّ بن يَحيَي”.

   أمّا عن أحوال الكنيسة في زمن حكم “المعتصم”، فكانت أنه بعد نياحة “البابا سيمون” الحادي والخمسين في بطاركة “الإسكندرية” ـ الذي لم يُقضِّ على كرسيّ “مار مرقس الرسول” سوى بضعة أشهر ـ حدث خلاف كبير في اختيار الأب البطريرك ما أدى إلى خلُوّ الكرسيّ المَرقسيّ زمنًا طويلاً. فاجتمع أفراد شعب “الإسكندرية” لاختيار أب بطريرك، إلا أنهم أرادوا الخروج على القوانين الكنسية في ذٰلك: فقد أرادوا اختيار أحد وُجهاء “مِصر” (الفسطاط) ويُدعى “إسحاق السيد بن أندونة” وكان متزوجًا غنيًّا ذا مكانة لدى حاكم “مِصر”؛ ويذكر “ابن المقفع” في أمره: “فلما نظروا الجماعة أهل «الإسكندرية» محله وغناه مع جاهه، كتبوا إليه كتابًا يقولون له: إنّا ما نختار أحدًا نقدمه بطركًا سواك.”. ثم مضى إليه “أنبا زكريا” أسقف أوسيم و”أنبا تادرس” أسقف مِصر ليُعلنا له اختيارهما له بطريركًا، وطلبا منه أن يكتُب رسالة إلى كهنة “الإسكندرية” وأهلها يقدم فيها وُعودًا بما سيفعله تجاههم حال اعتلائه “كرسيّ مار مَرقس” من بناء كنائس، وتجديد أخرى، وتقديم الأموال عن الكهنة وفقراء الشعب، ووُعود أخرى كثيرة. وما إن وصلت رسالة “ابن أندونة” حتى مالوا إليه ورغِبوا في سيامته بطريركًا، متناسين أن تلك الكرامة لا يأخذها أحد من نفسه، بل هي بدعوة من الله، وأن الويل لكل من يتجاسر في أخذ ما ليس له إذ سيُعطي حسابًا مضاعفًا!!

   ويذكر لنا “ساويرس ابن المقفع” في مخطوطه أن هناك أساقفة لم يكونوا موافقين لذٰلك الرأي المخالف قوانين الكنيسة، ومنهم: “أنبا ميخائيل” أسقف بلبيس، و”أنبا ميخائيل” أسقف صا، و”أنبا يوحنا” أسقف بنا، وكثيرون غيرهم؛ فما أن بلغهم ما فعله الأسقفان وجماعة أهل “الإسكندرية” حتى عقدوا مجمعًا، ثم توجهوا إلى “الإسكندرية” وقالوا لهم: “أين تركتم خوف الرب وخالفتم القوانين، حتى إنكم عمَدتم إلى رجل عَلْمانيّ متزوج بامرأة لتجلّسوه على «كرسيّ مار مرقس الإنجيليّ» بخلاف ما جرت به العادة والقوانين؟!!”، واستطاعوا أن يردوهم عن ذٰلك العمل المخالف.

   وكان بعد ذٰلك أن اتفق الجميع على اختيار “الراهب القَس يوساب المقاريّ” الذي من دير “القديس مقاريوس” بوادي النطرون، إذ كان مشهودًا له بالقداسة وأعمال الخير الكثيرة؛ وأرسلوا إليه بعض الأساقفة وكهنة “الإسكندرية” لإحضاره إليها وسيامته بطريركًا. وفي أثناء مسيرهم، تضرعوا إلى الله قائلين: “نسألك، يا رب: إن كنتَ قد اخترتَ هٰذا الأب لهٰذه الرتبة، فلتكُن علامة ذٰلك أننا نجد بابه مفتوحًا عند وصولنا إليه.”. وقد حدث عند وصولهم إلي الدير، أنهم وقفوا عند باب قلاّية “القَس يوساب” وكان مفتوحًا، وهو يَهِمّ بإغلاقه، ففرِحوا بذٰلك شاكرين الله. ثم قيدوه، قائلين: إنك مستحق للبطريركية!! أمّا هو فكان يبكي بكاءً شديدًا، إذ حَسِب نفسه غير أهل لتلك الكرامة والمسؤولية. ثم كان عند مغادرتهم الدير في اليوم التالي، أن سمِعوا صوتًا يقول: “الرب يصحبك، يا «يوساب»، ويقويك، لتصبر على البلايا التي تحُِل بك وبها تنال إكليل الحياة.”؛ فعلِموا أن ذٰلك الأب المبارَك سوف تناله شدائد كثيرة وأحزان عظيمة.

   اتجه الأساقفة إلى والي “الإسكندرية” برغبتهم في سيامة “الراهب القَس يوساب المقاريّ” بطريركًا، لٰكنه امتنع عن إجابة طلبهم، وطلب منهم أن يقدموا له مبلغ ألف دينار حتى يسمح لهم برسامته ـ إذ كان “ابن أندونة” قد وعده بتقديم ذٰلك المبلغ له عند جلوسه على كرسيّ البطريركية. وظل الأمر هٰكذا عدة أيام حتى قالوا للوالي أنهم ليسوا تحت سلطانه، وأنه إن لم يسمح لهم بسيامته بطريركًا سيذهبون إلى “مِصر” (الفسطاط) ليتمموا الأمر هناك. فعندما رأى الوالي إصرارهم وثباتهم، أذن لهم، فسِيم “القَس إسحاق” بطريركًا بـ”الإسكندرية” (831م) ليصبح البابا الثاني والخمسين في بطاركة “الكرسيّ المرقسيّ”؛ وقد عاصر السنوات الأخيرة في حكم “المأمون”، ثم حُكم كل من “المعتصم” و”هارون الواثق” من بعده.

“البابا يوساب” (831-849م)

   وُلد “يوسف” (أو “يوساب”) في مدينة “منوف” من والدين بارَّين تركا له بعد موتهما ثروة كبيرة؛ وكان بعد موتهما أن تبناه أَرخُن يسمى “تادرس” من “نيقيوس”، الذي اعتبره ولدًا له. وبعد زمن، أراد “يوساب” أن يحيا حياة الرهبنة والزهد؛ فأخبر الأرخن “تادرس” برغبته تلك؛ فأرسله برسالة إلى “البابا مَرقس” يقص فيها قصته. فرِح به “البابا مَرقس” وأودعه أمانة بيد شماسه ليعلّمه، إلا أنه بعد زمن طلب “يوساب” إلى “البابا مَرقس” أن يسمح له بالذهاب إلى البرّية ليحيا حياة النسك والصلاة والتوحد؛ فأرسله “البابا مَرقس” إلى “دير القديس مقاريوس” ببرية شيهيت (وادي النطرون)، وقبل أن يذهب تصدق بجميع أمواله على الفقراء والمحتاجين، ثم قصد البرّية حيث عاش زمنًا، إلى أن جلس على الكرسيّ البطريركيّ و … وعن “مِصر الحلوة” الحديث لا ينتهي …!

الأُُسقف العام رئيس المركز الثقافيّ القبطيّ الأرثوذكسيّ

التعليقات