مبادئ – «سارة» – 19/8/2017

مبادئ – «سارة» – 19/8/2017

تحدثنا في المقالة السابقة عن مبدأين في الحياة الإنسانية تجلَّيا في قصة “بائعة المناديل”: أن الخير لا يجلُِب إلا الخير، وحين يقدم الإنسان ما لديه بأمانة وبساطة تتحول الأمور جميعها إلى خيره؛ هذا ما حدث مع “سارة” التي تعمل نادلاً في إحدى المطاعم حين قدمت قائمة الطعام لسيدتين، فطلبتا منها أن تحضر إليهما أرخص طبقين! فليس لديهما مال كافٍ بسبب عدم تحصلهما على راتبيهما نحو عدة أشهر لظروف مالية عَسِرة تمر بالشركة التي تعملان بها. 
أحضرت “سارة” الطعام. وعندما طلبت السيدتان الفاتورة قدمت لهما “سارة” ورقة جاء بها: “دفعتُ فاتورتكما من حسابي الشخصيّ مراعاةً لظروفكما؛ هٰذا أقل شيء أقوم به تجاهكما. شكرًا للطفكما.”!! ثم ذيّلت كلماتها بتوقيع اسمها. قدمت “سارة” ـ كبائعة المناديل ـ ما لديها على الرغم من أنها تمر بظروف مادية عَسِرة، تحاول ادخار القليل من أجل شراء جهاز تِلفاز، وإقدامها على ذٰلك الموقف يعني مزيد من الانتظار والتأجيل!! وهٰذا ما عبّرت عنه صديقتها عندما اعتبرت ما فعلته تصرفًا أهوج غير مسؤول، إذ تقدم لآخرين مالاً هي وطفلها في حاجة ماسة إليه!! 
غير أن “سارة” سرعان ما تلقت اتصالاً من والدتها تخبرها أنها شديدة الفخر بها وبما فعلته، وبينما “سارة” في دهشة، استطردت الأم قائلة: إن ما فعلتِهِ مع السيدتين قد انتشر على مواقع التواصل الاجتماعيّ بعد أن نشرتا رسالتكِ؛ ليتناقلها كثيرون مشيدين بموقفك! لم تنتهِ القصة عند ذٰلك الأمر إذ وجدت “سارة” رسائل كثيرة من منتجين ومراسلي صحف؛ فتَضحَى ضيفة أكثر البرامج شهرة، وتحصل على تِلفاز، وعشَرة آلاف دولار، وقسيمة شراء بخمسة آلاف دولار، وهدايا تخطت مئة ألف دولار، تقديرًا لسلوكها الإنسانيّ العظيم!!! 
مبدأ آخر: لا تتوقف في عطائك متعللاً أنه لن يفيد! فأنت لا تُدرك كم يؤثر عطاؤك في حياة غيرك! في كثير من الأحيان لا يوجد لدينا حلول لمشكلات يصادفها آخرون نرغب في رفع العناء عنهم، لكن بأشياء بسيطة لدينا نساعدهم في اجتياز آلامهم: كتقديم الاهتمام الذي به يستردون ثقتهم بأنفسهم ويتجدد أملهم في الحياة؛ فيتقوَّون ويتشجعون ويعبرون الشدائد والمصاعب؛ وحينئذ يُمسِي دورنا الحقيقيّ شمعة تُنير فتُبدد عنهم ظلمة الطريق. لم تكن “فتاة المناديل” تملك حلاًّ للمشكلة: ولٰكنها امتلكت مناديل وابتسامة قدمتهما فهدّأت من رُوْع الزوجة فسارعت بحل مشكلتها، عزيزي: فقط، قدِّم كل ما يمكنك، ربما يكُن أولى خطوات الحل، دون أن تدري!!

الأُسقف العام رئيس المركز الثقافيّ القبطيّ الأُرثوذكسيّ

 

التعليقات