عن الحياة (186) – «قدّم… ولا تحزن» – 1/9/2017

عن الحياة (186) – «قدّم… ولا تحزن» – 1/9/2017

تحدثنا فى المقالات السابقة عن “العَلاقات الإنسانية” وبعض مبادئها المهمة: أن تحمل الصفات الإنسانية من مساواة واحترام وود، وأن تُعامل الآخَرين كما تريدهم أن يعاملوك، تكون متفهمًا لوِجهة نظر الآخَر مقدِّرًا رؤيته إزاء الأمور، وتكون لك إيجابية الفكر والتعامل والمبادرة نحوهم. عاملٌ آخَر مهم فى “العَلاقات الإنسانية”: هو ما تتمتع به تلك العَلاقة من “حرية”.
يقولون : “لا أحد يحب قُيوده، ولو كانت من ذهب!”؛ فكلما زاد مقدار حرية الإنسان فى عَلاقاته بالآخرين، شعر بالارتياح، وازداد قَبوله لها وتفاعله بإيجابية مع الآخرين؛ هنا نجد العَلاقة الإنسانية كأنما تدعو كل طرف أن يقول للآخَر: تذكَّر أنى إنسان أحتاج إلى مشاعر احترامك وودك، وتفهمك لما أراه ـ وإن كنتَ لا تؤمن به، وشعورى بأننى حر فى مواقفى واختياراتى. يقول “چان چاك روسو”: “فى عَلاقات الإنسان بالإنسان: أسوأ ما يمكن أن يحدث للمرء هو أن يكون تحت إرادة آخَر.” فيشعر أن حريته قد سُلبت منه، وهٰذا ما يؤدى فى معظم الأحيان ـ أن لم يكُن جميعها، إلى ردود أفعال مضادة وعنيفة ؛ فحتى أن استجاب الشخص وقام بتنفيذ ما يُطلب منه، لٰكنه سيتحين الفرص للسلوك بأسلوب مُعادٍ، وربما يقوم بإنهاء معاملاته مع أولٰئك الأشخاص ؛ وهنا أنا لا أتحدث عن واجبات العمل أو مسؤوليات الإنسان فى تنفيذ ما يُطلب منه فى الدراسة أو العمل، إنما عن العَلاقات الإنسانية فى حياة البشر بعضهم ببعض : كالأسرة، والصداقة، والزمالة، والجيرة، وغيرها.
إلا أننا يجب أيضًا أن نتفهم أن بعض الناس، نتيجة شعورهم بعدم الثقة بأنفسهم ومن ثَم بالآخرين، يعتبرون الاستجابة لمطالبهم وموافقتهم فى الآراء هى دليل محبة وتبعية ذٰلك الشخص ؛ إنه فى كثير من الأحيان تفتقر تلك النظرة إلى الصحة. أن العَلاقات الإنسانية الناجحة والصحيحة هى التى تستند إلى دعامتين : الثقة، والحرية. فمثلاً نلاحظ فى قصة “ذات القبعة الحمراء” أنها كانت ترغب أن يصير “الوحش الصغير” صديقًا لها، وقدمت له ما تستطيعه من الاهتمام الشخصى بل الاجتماعى من خلال محاولة إيجاد عَلاقات بين وحشها الصغير وأصدقائها، لٰكنها لم تقدم له حرية الاختيار بفتح نافذتها : فإما الرحيل، وإما تفضيل البقاء ؛ فى حين كان يشعر الحيوان الصغير أنه سُلب حريته وإرادته، وأن لا طريق إلى الهروب ؛ حتى تحين فرصة فتح النافذة فهرب إلى حريته. وفى القصة نجد أنه عاد بكامل حريته عندما شعر بأهمية ما تقدمه “ذات القبعة الحمراء” فى ليلة قارسة ؛ لذٰلك قدم للآخرين محبتك واهتمامك ورعايتك فى كل وقت، تاركًا لهم حرية الاختيار والتصرف، فما أجمل أن تكون المحبة نابعة من قلوب البشر باختيارهم ورغبتهم. ولا تحزن أن تذكَّرك البشر وقت احتياجهم فقط، بل قدِّم لهم، فالله وحده يرى ويعرِف ويقدر كل ما تفعله، ويجازيك خيرًا فى هٰذه الحياة وفى الحياة الأبدية.

الأُسقف العام رئيس المركز الثقافى القبطى الأُرثوذكسى

التعليقات