مبادئ – «ما أعظم …!» – 31/3/2018

مبادئ – «ما أعظم …!» – 31/3/2018

يحتفل أقباط “مِصر” غدًا بـ”عيد أحد السَّعَف” أو “عيد الشعانين”. و”شعانين” كلمة مشتقة من “هُوْشَعْنا” الآرامية التي تناظرها لفظة “أُوصَنّا” في اليونانية. أما عن معنى لفظة “هُوْشَعْنا”، فهي تتألف من مقطعين: “هُوْشَع” الذي يعني “خلِّص أو أَنقِذ”، و”نا” الذي يدل على شدة الاحتياج؛ ليكون المعنى: “خلِّص الآن”. 
وقد تردد نداء “أُوصَنّا” في أثناء دخول السيد المسيح إلى مدينة “أورُشليم” (“القدس”)، راكبًا على جحش بعد أن وضع تلاميذه ثيابهم عليه إلى أن دخل المدينة؛ أمّا الجُموع فنرى منهم: من فرش ثيابه في الطريق، ومن قطع أغصان الأشجار وفرشها أمامه، وبعضهم أمسك بالأغصان احتفالاً به كعادة استقبال الملوك والزائرين تعبيرًا عن محبتهم وإكرامهم. وكان الجميع بصوت عظيم اهتزت له مدينة “أورُشليم” يصرخون: “أُوصَنّا لابن داود! مبارك الآتي باسم الرب! أوصنا في الأعالي!”، إذ كانت أغلبية الشعب تعاني قسوة الاستعمار الرومانيّ من جهة، وتقاسي حياة متردية وفقرًا شديدًا من جهة أخرى، فظنوا أن السيد المسيح قد جاء مخلِّصًا لهم من كل هٰذا، في حين رسالته لم تكُن هٰكذا، بل جاء مخلِّصًا روحيًّا، فهو الذي أعلن: “مملكتي ليست من هٰذا العالم”؛ فقيادته لجميع البشر قيادة نحو السماء والأبدية، معلِّمًا بأعماله وكلماته حياة البر والتقوى التي بها يحيا الإنسان في العالم. لذٰلك لم يهتم السيد المسيح أن يماثل في دخوله “أورُشليم” عظماء العالم وملوكه وأبطاله الذين كانوا يدخلون في شموخ ومجد يمتطون الخيل، بل دخل في تواضع ووداعة على جحش، راسمًا الاتضاع طريقًا إلى الملكوت السمائيّ والعظمة الحقيقية، الذي يراه العالم نوعًا من التقليل لا يناسب شأن عظمائه. 
إلا أننا بنظرة عميقة في حياة عظماء البشر الحقيقيِّين، نجد العظمة والإنسانية تتعانقان في طريق الحياة: فكلما ازدادت إنسانية البشر، ناهضين بإخوتهم في البشرية، محاولين تخفيف آلامهم وخدمتهم، عظُموا وعلا قدرهم أمام الله والناس. رأيت صورة تظنها أول وهلة أنها لامرأة فقيرة بلا مأوى، ثم تكتشف أنها صورة رئيس الجمهورية الفنلندية السابق: السيدة “تاريا هالونين” (2000- 2012م) التي كانت بلادها في أثناء حكمها على قائمة أفضل دُول العالم: في التعليم، والصحة، والبنية التحتية، وحصلت شركاتها مثل “نوكيا” وغيرها على المراكز العالمية الأولى. كانت الصورة دعاية للسيدة رئيس الجمهورية تهدف إلى التخفيف من معاناة الفقراء والمحتاجين، حيث كانت مرتدية ملابس قديمة، وجالسة دون مأوى عدة ساعات لتشعر وتُشعر الآخرين بمأساة المعوزين والفقراء!! وهٰكذا بتواضع ومحبة حقيقيَّين قدمت إحدى مشاهد الإنسانية. ما أعظم أولٰئك البشر الذين أدركوا سر الحياة وعمق الإنسانية!!

الأُسقف العام رئيس المركز الثقافيّ القبطيّ الأُرثوذكسيّ

التعليقات