عن الحياة (221) – «ماذا ستقدم؟!» – 18/5/2018

عن الحياة (221) – «ماذا ستقدم؟!» – 18/5/2018

   

أن تكون أمينًا وإنسانًا فهٰذا لا يقدَّر بثمن فى الحياة! أن ترى نفسك وتدرك حاجاتك وفى الوقت نفسه تشعر بالآخرين وتقدِّر حاجاتهم فهٰذا نداء بلا أصوات وبلا كلمات: أنك بالحقيقة إنسان لم يفقد أعظم ما وُهب له من الله !

بينما هو نائم على أحد المقاعد فى الشارع إذ ليس له مأوًى، اقترب إليه شابّ ووضع إلى جوار سترته التى يسند رأسه عليها مبلغًا ماليًّا ثم سارع بالاختفاء. وبعد قليل، يستيقظ الرجل ليجد الورقة المالية فيشعر بسعادة غامرة ويرفع رأسه إلى السماء وكأنه يناجى الله بكلمات الشكر. أسرع الرجل إلى أحد المحالّ التِّجارية واشترى بعض حاجاته، وعاد إلى مكانه وهو يحمل حقيبة مشترياته مغمور الفرحة. مرت قرابة عشْر دقائق، ليعود الشابّ وهو يحادث فى هاتفه شخصًا آخر يسأله مالاً من أجل شراء دواء لابنته المريضة ! وما إن انتهى الشابّ من حديثه، حتى اقترب إليه الرجل ليسأله عن أمره، فصارحه بأمر ابنته التى تحتاج بشدة دواءً وأنه لا يملِك مالاً يكفيه. ترك الرجل حقيبته مع الشاب وطلب إليه أن ينتظره قليلاً، ثم عاد مقدمًا إليه مالاً ! سأله الشابّ عما فعل ليحصل على المال، فأجابه الرجل أنه أعاد البطانية والوسادة اللتين اشتراهما توًّا إلى المتجر ! تعجب الشاب من تصرف الرجل، وسأله عما دفعه إلى منحه مال إعوازه. فقال أنه شعر بمسيس حاجته إلى المال أكثر منه، قائلاً : يمكننى الاستمرار على حالى هٰذا، ولٰكن ابنتك ما أعوزها إلى دواء ينقذ حياتها! عندئذ كشف الشابّ للرجل حقيقة أمره، وقال : لقد قمتَ بعمل إنسانى عظيم ؛ ثم نفحه مزيدًا من المال !! تتساقط دموع الرجل، غير مصدق ما حدث !

فى المقابل، تعجبت من تلك السيدة التى لم تُعد ترغب سوى فى اكتناز الأموال، فى صراع مع خوف واهٍ من المستقبل، معتقدة أنه كلما زاد رصيدها أمِنت شرور الحياة وتحصنت ضد عواصفها ! وهٰكذا، قدمت قليلاً جدًّا مما تملِك لأقرب الناس إليها زوجها وأبنائها، متوهمةً أنها تسلك بحكمة !! ولٰكن تمضى الأيام لتُثبت لها أنها كانت مخطئة ؛ فقد خسَرت كل شيء لأنها أرادت أن تمتلِك كل شىء، وأعظم ما خسَرته إنسانيتها!!

أتوقف عند تساؤل طرحه أحدهم ذات يوم : “متى سنتعلم وندرك أننا راحلون، دون أموالنا ولا أى ممتلكات لنا فى هٰذه الحياة ؟! متى سنؤمن أن الحياة الأخرى لا تحمل معها إلا ما فعلناه وقدمناه فى رحلتنا القصيرة على الأرض ؟! ” ذُكر عن “الإسكندر المقدونى ” أنه أوصى قائد جيشه بثلاث وصايا عند موته : الأولى أن يحمل نعشه أطباؤه فقط، والثانية أن تُنثر فى الطريق حتى مقبرته قطع ذهب وفضة وأحجار كريمة مما جمعه طوال حياته، والثالثة أن يخرجوا يديه من الكفن لتظلا مفتوحتين ؛ لقد أراد تقديم ثلاثة رسائل إلى الأحياء : الأولى أنه فى الموت لن ينفع أحد ولا الأطباء فالصحة والعمر ثروة لا يمنحهما أحد من البشر، والثانية كى يعلم الناس أنهم لن يأخذوا معهم شيئًا مما جمعوه سوى العمل الطيب، والثالثة ليعلم جميعنا نحن البشر أننا جئنا الدنيا فارغى الأيدى وسنغادرها كذٰلك.

إن ما تقدمه هو فقط ما ستحصل عليه فى أبديتك: فماذا ستقدم؟!

الأُسقف العام رئيس المركز الثقافى القبطى الأرثوذكسى.

التعليقات