مصر الحلوة 298 – «قاهرة المعز» – 29/5/2019

مصر الحلوة 298 – «قاهرة المعز» – 29/5/2019

تحدثنا فى المقالة السابقة عن قدوم القائد «جوهر الصَّقَلى» إلى «مِصر» حيث تسلم حكمها، وخطب على مِنبرها، ودعا لمولاه «المُعِزّ»، مبطلاً الدعوة لـ«بنى العباس». ثم كان أن شرع «جوهر الصَّقَلى» فى بناء مدينة «القاهرة».

بناء «القاهرة»
ما إن استتبت الأمور فى «مٍصر» حتى بدأ «جوهر الصَّقَلى» فى بناء مدينة «القاهرة» خارج «مصر القديمة»، شَمالى مدينة «الفسطاط»، ووضع فيها أساس القصر الكبير للخليفة «المُعِزّ لدين الله الفاطمى». وقد ذُكر أن «جوهرًا» قد أطلق على المدينة أولاً اسم «المنصورية» لتكون على اسم مدينة «المنصورية»، التى أقيمت خارج «القيروان» أو تَذكارًا «للمنصور بالله» والد «المُعِزّ لدين الله»؛ حيث استمر الاسم حتى قدوم «المُعِزّ» إلى «مِصر» عام ٣٦٢هـ (٩٧٢م) فاستبدل باسم «المنصورية» اسم «القاهرة». وقد كان اسم «القاهرة» فى فكر الخليفة «المُعِزّ» إذ قيل إنه عندما خاطب الجُيوش قبل رحيلها إلى «مِصر» قال: (لو خرج جوهر هـٰذا وحده، لَفتح «مِصر»، وليدخلنَّ إلى «مِصر» بالأردية من غير حرب، ولينزلنَّ فى خرائب «ابن طولون»؛ وتُبنى مدينة تسمى «القاهرة» تقهر الدنيا)؛ لقد أراد «المُعِزّ» أن تكون تلك المدينة قاهرة العباسيِّين وقاهرة الدنيا قاطبةً! وقد صارت مدينة «القاهرة» عاصمة الخلافة الفاطمية، ومقرًّا للحكم بدلاً من «القيروان»، التى كانت تبعد عن ولايات الحكم.
بُنيت مدينة «القاهرة» على مساحة ٣٤ فدانًا تقريبًا، محاطة بسور به عدد من الأبواب، ذكر المؤرخون أنها: «باب النصر»، و«باب الفتوح»، و«باب البَرَقية» (الغريب)، و«باب القراطين» (المحروق)، و«باب زويلة» (باب المتولى)، و«باب الفرج» (لا أثر له اليوم)، و«باب سعادة»، و«باب القنطرة». وقد كانت «القاهرة» أولاً مدينة عسكرية تضم مساكن الأمراء ودواوين الحكومة وخزائن المال، ثم صارت عاصمة الدولة الفاطمية عندما انتقل إليها «المُعٍزّ لدين الله» من «المغرب» وأطلق عليها اسم «قاهرة المُعِزّ».

جامع «الأزهر»
فى عام ٣٥٩هـ (٩٧م) – وهو العام التالى لوضع حجر الأساس لمدينة «القاهرة»، بدأ «جوهر الصَّقَلى» فى بناء جامع «الأزهر»، وأتم تشييده بعد قرابة ٢٨ شهرًا عام 361هـ (٩٧٢م). ويُعد جامع «الأزهر» أشهر الآثار الفاطمية وأقدمها فى «مِصر». ويُذكر أن المسجد فى البداية لم يحمل اسم «الأزهر»، بل أطلق عليه اسم «جامع القاهرة»، وعلى الرغم من اختلاف المؤرخين فى أصل تسمية «الأزهر»، فإن أغلب الآراء استقرت أنه يُنسب إلى السيدة «فاطمة الزهراء» ابنة نبى «الإسلام» وأم «الإمام الحسين» التى إليها ينتسب الفاطميون.

بلاد «الشام»
بعد الاستيلاء على «مِصر»، أرسل «جوهر الصَّقَلى» حملة عسكرية، بقيادة «جعفر بن فَلَاح» إلى «الرَّمْلة» بـ«فلسطين» التى فر إليها «الحسن بن عُبيد»؛ ويذكر ابن التَّغرى: (ولما ملك «جوهر» «مِصر»، كان «الحسن بن عُبيد الله بن الإخشيد» – المقدم ذكره – بـ«الشام»، وهو بيده إلى «الرَّمْلة»؛ فبعث إليه «جوهر» بالقائد «جعفر بن فَلَاح»… فقاتل «ابن فَلَاح» حسنًا المذكور بـ«الرَّمْلة» حتى ظفر به، وبعث به إلى «مِصر»… وبعثه القائد «جوهر» إلى «المغرب»). ثم تقدم «جعفر بن فَلَاح» نحو «طبرية» ثم «حوران» ومنها إلى مدينة «دمَِشق» حيث اندلعت معارك ضارية انتهت بانتصار الفاطميِّين، وفُتحت لهم بلاد «فلسطين» و«الشام» لتصبح خاضعة للحكم الفاطمى.
استمر «جوهر الصَّقَلى» فى حكم «مِصر» قرابة أربع سنوات حتى قدِم إليها «المعز لدين الله» الفاطمى فصار حكم البلاد له وصار «جوهر» من كبار قواده. وقد ذُكر أن «جوهر الصقلى» كان محبوبًا من المِصريِّين لأجل عدله، إذ قيل فيه: «وكان «جوهر» حسَن السيرة فى الرعية، عادلاً، عاقلاً، شجاعًا، مدبرًا»، و… والحديث فى «مصر الحلوة» لا ينتهى!.

الأُسقف العام رئيس المركز الثقافى القبطى الأُرثوذكسى

التعليقات